الفصل الثاني

7 0 00

الفصل الثاني

مشيئة الدخان في الحانة قدر ُ اللامعقول في أصداء ذباب ظل يحوم حول شطيرة لحم خنزير كان محمود يطهوها فوق نار فاترة ...على فحم خاص ، من نوع (النوع الرفيع) لتقدم طازجة إلى العربي القابع في أقصى المصرف ...شواربه المصفرّة من كثرة التدخين ترتجف ،فيما يداه تدقان ببطء ،و على وتيرة إيقاع شعبي من نوع(الهداوي) على جانب المصرف وهو يدندن ( يالرايح وين مسافر تعي وتولي) للمطرب الجزائري دحمان الحراشي.

زونا ( المتوسّطية ) ( الخادمة) لم يحن أوان دوامها بعد ، تبدأ العمل اعتبارا من الساعة الخامسة مساء ، إلى مطلع الفجر أو أزيد ..فهي تتكفل بطاولات القمار ، هذه هي المهمة الموكلة إليها من قبل محمود صاحب الحانة ، منذ أن اختارها خادمة بالحانة ..في مطلع الستينات لما تتوفر عليه من دهاء وخبث ومكر ، ولاعتبارات أخرى ..

لم يكن من عادتها أن تعتاد الحانة في فترة الصبيحة ..هذه المرة نسيت ْ شيئا ما جاءت من أجله لاهثة ، وقد ساورها الشك أنه ما يزال محفوظا في مكانه ..سالما معافى ..

دقائق الصبيحة انزلقت من مخيلة العربي ..سافرت ْ إلى رابعة العدوية ..وهو يرمق زونا ( المتوسّطية ) تدلف الحانة بقامتها الهيفاء .. وخانتها ( الوضاءة) وسط وجهها المكوّر ..الخالي من التجاعيد ..رغم إشرافها على الستين ..هيفاء ..بدينة..عيناها كبيرتان ، تشبه إلى حد كبير عيون المطربة الأردنية سميرة توفيق ..، أو عيون المها..الاسم الذي يناديها به رواد الحانة

تحفظ أغلب أغاني سميرة توفيق عن ظهر قلب ..، مثلما تحفظ عن ظهر قلب أيضا أغاني الريف المغربي ، وخاصة الشيخة (الحمداوية ) ، هذه الأغاني تساعدها في تموّج خصرها ، وهي تروح وتجيء في خطوات مترنحة عبر طاولات القمار ، حيث توزع مقاطع من أهازيج الحاجة الحمداوية وسميرة توفيق على أطراف الزاوية المخصصة ل((لقمارجية )) من كل الشرائح ...

تُرافع ُ الدقائق في هذه الزاوية للأزمنة الغابرة ..ولمسارات التاريخ ...

ويرافع ُ ( الذباب ) العائم بالأطراف لموسم عراجين البلح في المغرب وفي الجزائر وفي تونس ...ودولة الدولة السنوسية في ليبيا قبل أفول الستينات ...

طنين الذباب العائم يرافع ُ أيضا للمهدي بن بركة... ..إبراهيم سرفاتي ..,

إيديت ْ بياف على شفاه ( القمارجية ) .

زمن الصبيحة ركنٌ من أركان التاريخ في مخيلة ( العربي ) القابع دوما في أقصى يمين المصرف ،وهو يتأمل خطوات زونا ( المتوسّطية )، شطيرة الخنزير ما تزال تشوى على صفيح نصف ساخن ، على نار فاترة .

....ترتجُّ الصبيحة .غليان محمود قفلٌ لمفاتيح المساء القادم ككل المساءات والمساءلات، ومضايقات الشرطة أحيانا ...

عهد الخديوي يتردد هو الآخر ، كما يتردد أيضا ذكر ُ قاسم أمين ، على شفاه القمارجية وعلى لسان العربي أحيانا .

زونا ( المتوسّطية )لا تفقه في الأمر شيئا ..فتكتفي بابتسامة مجاملة عندما يصعقها القمارجية بهذه الأسماء ...سخرية (برناردشو) قدر المألوف.ومهاترات ( روميو وجوليت) قدرٌ أيضا للمألوف .

...في زاوية المقارجية . تنبعثُ (ولاّدة) من أقصى المصرف ، من فيه العربي القابع – مردفة ببنت المستكفي لأبن زيدون. تثير التفاتة لافتة من زونا ( المتوسّطية )، ما تفتأ تغمغم بلهجة مغاربية أقرب ما تكون إلى لهجة الريف المغربي : ( سكران ويعرف باب دارو ) .

- صح يالعربي خويا ..راك تعرف بنت المستكفي القزانة (العرافة )

- نعرفها يا ولادة ..- أشكون بنتها ؟

- بنتْ الأجواد ..يا سميرة توفيق ..

- هكذا أريد أن تناديني. يا لعربي خويا .

- أمرك ..

********

( مفاتيح الغيب) لأبن العربي ..أثلجتْ طنين الذباب الذي يرافق رتابة الصبيحة وتأملات العربي ..والنظرة (الإستشرافية لمحمود مالك الحانة ،خلو الصبيحة من ( فصوص الحكم) لأبن عربي ..خدرتْ خطوات زونا ( المتوسّطية )وهي تتجه مباشرة نحو العربي .نادته: ( محي الدين )

رد: أجل يا ولاّدة بنت المستكفي ،عرافة الريف ...

تراشقا بالنظرات.

كان طنين الذباب يقترب من شطيرة الخنزير التي ما تفتأ تشوى فوق الفرن ..وعلى نار باردة ، فاترة ..

....كانت الصبيحة بلا شطائر ، لحم الخنزير ،أصابه شيء من الأرق فوق الجمر ..ومن الدرجة القصوى،فهي لا تصلح للأكل ...

طيب قالت: زونا ( المتوسّطية ) للعربي :

هل وجدت شيئا ما ، نسيته البارحة فوق الطاولة المحاذية لمخدعي.؟

- هو محفوظ لدي ،يرد العربي ويداه ترتجفان .

وكما تاب أبو نواس في آخر حياته تتوب الدقائق الزاحفة نحو مساء حانة محمود الإستشرافية .

تخترق نظرات العربي أجزاء كبيرة من جسم زونا (المتوسطية ) ، يفحص بنظرة ثاقبة تنمّ عن مكنون بأغوار مشاعره ،،تتوهج شواربه... ترتعد بعض أوصاله، فيما زونا (المتوسطية) ما تزال تنتظر رده على سؤالها..)

...وأفلت الصبيحة كنجم في فيافي زاهدة.

أردف العربي : لماذا يا زونا – بنت المستكفي- يا سميرة غيّرَ أتاتورك مصطفى كمال الحرف العربي باللاتيني ..وهو مؤسس الجمهورية ، وأول رئيس لها سنة ؟ ؟ .. 1923

- ذاك تاريخ يذكرني بميلاد أخي مصطفى بالريف المغربي ، لم يعمّرْ طويلا ، أصابه (الجرب) فمات إثره ، ترد زونا (المتوسطية) بابتسامة من لا يعرف جوابا لسؤال محرج .

- برافو عليك يا مولاة الخانة، خذي أمانتك . ولا تنسي أن تقرئي سلامي لبنت المستكفي الريفية العرافة ...

نلتقي مساء على طاولة القمار .

- هذه الليلة ليستْ مناوبتي ، ترد زونا ( المتوسّطية )..بخبث..

- ومن يكون خليفتك إذن ؟

- محمود بذاته وصفاته ..( ولد أبلادك ) .

أستجمع قواه ،غادر أقصى المصرف ، فيما محمود ظل يرشقه بنظرات حادة ...

سعال حاد ارتوت به أرجاء الحانة، اقترب العربي من شطيرة الخنزير، بصق عليها وهو يتأهب لمغادرة الحانة.

محمود في وله: وشطيرتك المعتادة ؟

- أعطها للقطط يرد العربي بنبرة حادة ، وهو يغادر الحانة، ملوّحا باليد اليسرى : إلى مساء هذا اليوم ، يستوقفه خبر عاجل بمحطة (تي .آف 1 ) الفرنسية : (( مجموعة مسلحة في الجزائر تغتال رهبانا بضواحي البليدة )) ...وسلطات البلاد تشتبك مع أخرى في منطقة الأربعاء بنفس الولاية ..تكتف قوات الأمن من عمليات تمشيطها في أدغال غابة ( الأخضرية ) بحثا عن معاقل الجماعات الإسلامية .

يرشق التلفاز والمذيع بنظرة ثاقبة ..يتنهد دون أن يعلق ، وينصرف.

إبلٌ تطأ مخيلة العربي .

...وترتسم الصبيحة في تجاعيد زونا ( المتوسّطية ) التي لم تبرح الحانة..في مخيلتها سلسلة ( جبال الأطلس ) التي تشق المغرب وتونس والجزائر ...

صراصير تتكاثر تحت سفح الطاولة القصيّة بزاوية (القمارجية ) ...تتكاثر ...تتباهى أمام الحشرات الأخرى .

فأرة سمينة تنط كأرنب غير مبالية بالحاضرين ، تختطف شطيرة الخنزير أمام مرأى محمود الذي لم يجد بدا من ملاحقتها بإحدى زوايا ( القمارجية ) ، إذ آوتْ إلى جحر آخر بإحدى زوايا ( القمارجية ) بالحانة .

يرتسم الرصيف المحاذي للحانة لوحة ً زيتية في تجاعيده يرفسه العربي برجليه .( في مخيلته ) تاريخا.. وحقبة تاريخية برمتها ..ينفث ما تبقى من سيجارته ..يعود للحانة في هرولة . أطرافه تركلُ ظهره المحدودب ... ويذوب ما تبقى من الدقائق في طيف هجير يتوارى في كنف الشك بأن انسلاخها يكون قد ذاب في شريحة الخنزير ..

وتتدحرج السويعات والأزمنة ....

فيما يقبع تسربل دقات صمت الصبيحة في هرم الحديث عن مفعول الصفح عند محمود ونظرات زونا ( المتوسّطية ) ... ميعاد المساء المزمع يصعقه .

حنين السنين يعاوده ، يجذبه نحو ملامح بدت ذات هجير في رائحة بوسمغون وهو يركل تيسا أبى السير في أزقة مظلمة.

خليها لربي ..قال ودلف الحانة دون أن ينبس ببنت شفة .

*****

شطيرة خنزير أخرى تتدحرج على نار باردة بنفس الفرن ، لمحها من بعيد ، صعقه المساء الساطع في مخيلته وهو يضع الخطوات الأولى باتجاه الحانة ...قلنسوته اليهودية تعبث بها نسيمات هبتْ فجأة ...يضع يده اليسرى عليها ، ويلتقط شرارة تفكير سافرتْ به إلى صديقه محمد الذي رافقه من مدينة( جريفيل) إلى مرسيليا عبر باخرة رثة ..يستطلع أحواله في (لاكورناف) . لملم شذرات تفكير أفلت من مخيلته ...استحضر مساره ...واستحضر احتمال وقوعه أسيرا من لحظة لأخرى في يد الشرطة الفرنسية ، لتماديه في تعاطي المخدرات والسطو على أمتعة المهاجرين وبعض دراهمهم .

يلج الحانة..ينتهي إلى أقصى المصرف دون أن يحيي أحدا.. زونا ( المتوسّطية ) كانت هناك تنظف أجزاء الحانة المقابلة لمكانه المعهود ..تبرقُ في اتجاهه ابتسامة خبيثة أدرك كنهها قبل أن تصله ( برقية مشفرة ). غزر نظرة ثاقبة في اتجاهها وأومأ للنادل أن يترع كأسه بجرعات ( ريكار) ..ففعل ..

ثملت اللحظة في عيونه ...تفتقت أمانيه في كأسه المترعة ...رخو اللحظة البائسة يستدرجه إلى متاهة الغرق في كأس مترعة ب(الويسكي) ، فيما كان النادل يمده سيجارة محشوة ويهمس في أذنه : ( هذه هبة من زونا ( المتوسّطية )..ما زال الخير القدام ) ...

امتطى صهوة مخيلته ولفيف السيجارة المحشوة يلف أرجاء الحانة دون أن يعير أدنى اهتمام لزونا ( المتوسّطية )وهي تطهو على الفرن ...اقترب من النادل :بصوت مبحوح تضايقه جرعات ( الويسكي )، قال:

- ( لمن تلك الشطيرة )؟ .

- زونا ( المتوسّطية ) هي التي دثرتها كما ترى بقطعة فلفل حار..لا شك أنها ( وسكت) ...

- لعنة الله على المعتوهة ،رد العربي بصوت صارخ ، افتك التفاتة حادة من زونا ( المتوسّطية )التي نصبت المكنسة على إحدى الزوايا..وهرعتْ إلى نفخ الجمر على الشطيرة وهي تدندن إحدى مقاطع المطربة الشعبية المغربية : الحاجة الحمداوية .

العربي (أفهما طايرة ) ، فأفتك جرعة من ( ريكار) جاف بدون ماء جرعة واحدة ، أردفها بنفس من سيجارته المحشوة . امتص اللحظة ،سكبها في لفح الهجرة والهجير ..في منفاه ومنفاها ...خنقه صياح ( الباعة) من تحت ( المصاريف) .. وكواليس الحانات وأزقة ( بارباس) ...وبعض مدارجها .

سكب اللحظة في ( ريكار) اللحظة بدون ماء .. وأتعاب المنافي .. تطاول عليها ..وتطاولتْ عليه ...

لفهما ذات ليلة لحاف مشترك ..سكب حاضرها فيما تبقى من زبد في كأسه الثانية التي أمر النادل بملئها بدون ماء ...

فيما علق بذاكرته حديث ( المتن) و( النص الغائب) (امتصاص النص) ..( الاستقراء) ونسخة من ( البؤساء) لفيكتور هيقو كان قد أهداها إياه معلمه الفرنسي ( دوفواشال) بالقرية وهو ابن التاسعة من عمره دون أن يدرك وقتها معنى الهدية ولا مضمون الكتاب ، فاكتفى بمدها للحاج الميلود الحوانتي الثري بالقرية ليلف بأوراقها الكاوكاو والحمص للباعة الأطفال ..وقد كان من زمرتهم .

استوقفته ألفية أبن مالك ، والأجرمية ، وما علق في ذاكرته من القرآن الكريم ، وقد كان يحفظ الجزء الأكبر منه (حوالي 45 حزبا تقريبا) تلاشتْ كل هذه الآيات من ذاكرته ..استوقفه (غسّان كنفاني ) على الرصيف الآخر من الدنيا..كما استوقفته (أرض البرتقال الحزين ) وهي منفية بين مقابر الأدوات القديمة و ( لوالب..خردة عامة .. وشطيرة خنزير .. وعصير أطياف ..وبرتقال عائم في أكواب مترعة ) .

ضم اللحظة إلى صدره .

عانقها بشوق في شوق كمن التقى بغريب تائه في الأوحال منذ أمد بعيد ...

استجوب اللحظة مثلما خضع عدة مرات لإستنطاقات الشرطة ، ولم يكن يحمل إلا كتبا مهترئة لكتاب الرومانسية والانطباعية والكلاسيكية .

قال للحظة والكأس الثالثة مترعة :

(( ..خيّريني يا لحظتي العزيزة : البطاطا في الضفة و((أرض البرتقال الحزين )) في الأرض الأخرى ...وشطيرة الخنزير على الفرن تطهى ؟ ..أي هذه الأشياء تختارين يا عزيزتي؟

– آه- نسيتُ ، أضاف : حذائي أوقعه الملل في الملل ...وتقطع . وكذا قلنسوتي الملازمة لرأسي ..؟؟ .

الصيف على الأبواب ... وفلسطين في خلدي ...اختاري يا عزيزتي : - البطاطا- ماء اللحظة- غسان كنفاني – أم شطيرة الخنزير .أم مدى قادمٌ هذا المساء على طاولة الخمار ؟؟؟ ...

كانت اللحظة تحتضر.

لم تجبْ.

ركب العربي هول الصعقة ،لأن اللحظة كانت خرساء بكل بساطة .

يتمتم وهو يطلب النادل سيجارة محشوة ...