أحمد ختّاوي
المدينة بدم كذب
***
رواية
***
منشورات ليجوند
الإهداء/
إلى التي كانت تتدفق من أميتها شلالات عبقريتها وحكمتها ..
إلى التي دثرتني بحنانها ...
إلى المرحومة والدتي طيب الله ثراها ..
تنحى عن وجهه زخرف الكرز ، مات وهو نائم فوق طيف الماء ،، وفي مدينة الله في الماء .. ..
يسوقها طوعا وكرها إلى سوق الماء.. يبيعها ماءً وتسبيحا وهي غارقة في تسبيحها ..يستوقفها بباب (( الخبز )) يعجنها للمارة صدقة من فُتات عجائن المطاحن .
كل المارة طاعنون في السن ، ما عدا الجار المحاذي لجاره المحاذي لجاره الألطف من شمس الربيع ..هو ذا جاره الألطف من نفسه . حمله طوعا..حمله كرها ..وحملته زوجته الطبيبة الطيبة طوعا وكرها أيضا..
وساقه سلّم العمارة إلى الطابق الرابع حبا في مدينة الله في الماء ..في الخبز الذي يختلي بالماء...
كل ما في الماء حي لا يموت ..ما عدا الذي تندمل جراحه..وتتوزع أفراحه بين الخمائل ..ويصعد إلى اليابسة من مدينة الله في الماء . وكل ما في الماء يسبّح لله الواحد القهار..
وخرقة (( بالية )) من الخبز ، كالقماش الرث على ظهر ثري يعشق ( الموضة) حتى النخاع والثمالة ..ويعشق آخر صيحات الملابس .
ظل يعشق سطح الماء ..يطفو كالزيت ، وفُتات القمح والفرح والحزن معا..ويتم السنين والسنابل العاقرة ....
وتوالت الدقائق ، وهي قابعة على صفيحة من ماء ..تدنو تارة منه ، يشتمها .يهشمها ..تنصرف ، إلى أن جاء ((الفيتامين )) .وجاءت ْ دقائقه الحبلى بالعوز .
لاهثةًٌ جاءت ابنته ( أمينة) من أقصى ( باب الجماعة ) في قريته ( بوسمغون) تتأبط فرحا طفوليا ..ومعايير (ابتسامة) تطفو على شفتيها ، غيّبها يُتم التستّر تحت جنح الليل ..وغيبها سؤال محيّر حتى ( الشفاعة ) ..اا.. كان سرا ..وسحرا ..ومفاتيح لقفل كان يسرقه كلما سنحتْ له الفرصة من (صدر) أمه العجوز التي تصلي كل صلواتها بالفاتحة وسورة الإخلاص ، ليفتح صندوقا صغيرا تختزن به رغيفا من الشعير .
كم كان مملوءا بالنرجسية وباليتم والعوز أيضا ..وكم كان يختال عندما يسرق المفتاح من صدر أمه ، يسرقه ليلا ، لأنها كانت تحكي له على مدار الليالي العجاف (تقصٌّ) عليه حكاية ( الصدر)الحنون ، وهي قصة شعبية قريبة من الخرافة، يذكر مقاطع من فصولها: أن صدر أم كانت ( تطعم) ولدها حليبا ، أي ترضعه، فتحول هذا الحليب مرة إلى قماش ، لأن الطفل كان يبكي كثيرا وأن أخاديده كانت حمراء مثل (الصابون ) الذي ينظف الملابس في عز الشتاء البارد ، حيث لا برد إلا برد الله ، هكذا كانت تروى.تُروى ، وتُسرد الحكاية في جنح الظلام ، ( بكل هذا الخلط ) ..
تتفاعل مع السرد الخرافي ، فيغتنم الفرصة ف(يدس يده) إلى صدرها ، ويسرق المفتاح . يسرق فصول الحكايا من جذورها ..يسرق ملاذ الآخرين ،في جنح الليل ..حول ( كانون ) يأكل حطبا يتيما جُلب من سفوح الجبال اليتيمة ،بجبل( تمّدة) الشامخ في قريته بوسمغون ..كان يسرق أيضا صمت إبنته (أمينة ) من جذوره ، يوزعه كلمة طيبة ( وصدقة جارية ) على المارة ..وعلى الأثرياء خصوصا .. كان يقول لإبنته (أمينة ) :
ما هذا الذي بيدك يا أمينة ؟
- ((فيتامين ..فيتامين )) وشيء من ( الصدقة الجارية ) يا أبي .
.ببراءة العوز .. قالت : اسمعوا وعوا ...هذا اسمه ((فيتامين )) لا تمسوه بسوء ..ولا توزعوه إلا بمقدار ((كيل)) كل ثلاثة أيام ..وما بينها . كل الناس (( صيام )) فهمتم.؟
قلنا –نحن المارة - كالتلاميذ: نعم ..نعم .. وتطاول فضولنا ..
انصرفتْ أمينة تغيّر ثيابها ببيت أمها وأبيها ..عادتْ بلباس مغاير تماما..
(( شيك )) صاحت أختها زينب ..(( شيك )) أمينة ، أنك في مثل لياقة وأناقة (( اليتامى. (( شيك )) ..شيك .. حتى أسكتناها وسط فضول عارم .: لماذا كل هذه (( الشياكة)) ؟
قالت: (أمينة) : هو ذا اللباس المناسب لاستقبال الضيوف .
فهمنا على التو ، ما كانت ترمي إليه من خلال تغيير الثياب .
وكنزنا فضولنا.
اتجهت مباشرة إلى مدينة الله في الماء . تطعم ( ضيوفها) بالفيتامين .. فيما صاحتْ : من أطعمهن بهذا الخبز ؟
- أنا يا بنيتي ..
أشاحتْ عني بوجهها .
قلتُ اللهم قدّرْنا على العمل الصالح ..وانكمشتُ في عباءتي الرثة ..لم أنبس ببنت شفة ..خوفا من ملاحظات وملاحقات أخرى ..لكنني ظللتُ أغمغم ، وأُخضِعُ((أطعمهن)) إلى قواعد الصرف والنحو ..وقد علق في ذهني أيام كنتُ بالكتاتيب (الكتاب) ، وكان السي أحمد بلقاندي بالمشرية يدرسنا قواعد النحو الصرف ..من كتاب (( النحو الواضح )) استعمالات ((العاقل )) وغير العاقل ، ورسختْ في ذاكرتي أن نون النسوة أو (هن) على وجه التحديد لا تقال إلا للعاقل ، كأن نقول مثلا : (( هن أكلن الخبز وهن جائعات )) ، أو كأن نقول مثلا : (( هن سحقن دقيق الأثرياء لقاء حفنة دقيق لإعالة أولادهن المعوزين )) أو كأن نقول مثلا: (( هن يأكلن الخبز من القمامات والأثرياء ينعمون ، أو يعيشون في رغد العيش إلى أن ساقني وهمي ، وربما يقيني إلى أن كلمة ((فيتامين )) و(( النون الأخيرة )) ربما تكون للعاقل ، كنون النسوة ...أو تكون ( نحويا) ( نون التخنث) .
هذا ما ذهبتُ إليه ، يقينا أو شكا،إنما هذا ما وصلتُ إليه .
تجمهرتْ مداركي ...وتظاهرتْ سلما أمام مدينة الله في الماء. ...حبلتْ ظنوني في مدينة الله في الماء ...
تلوتُ قربها ما تيسر من آيات ، وأذكار الصباح والمساء ..معا...جمعا وتقصيرا وقلتُ اللهم أرزقني صبرا وجلدا ، ودثرني برحمتك يا أرحم الراحمين ..
قالت ساكنة الماء في مدينة الله في الماء : أمين .
**********
ناوله سيدي كرتول قلنسوة يهودية وثمرا من عرجون متيم بخيام الصالحين وخواء اللحظات ...وبعض من التمائم تبرّكا بولي القرية الصالح . أنشدَ وهو ثملٌ : ((ألالة ميرا هات الجاوي هات البخور الجزء الثاني : ونفرَ من
(("لقناوي أمشى للسودان ..جاب خاتم لقناوية )).
فوق الوجه المنفي مظلة الحاجة خضرة ، زوجة سيدي كاسي ، بنت المخفي- المنفي.
تذكّرَ وهو ثمل ٌ الفنان الجزائري سعداوي صالح :" قولوا لأمي ماتبكيش – يالمنفي" – ولْدك رايح ما يوليش – يالمنفي" .
استيقظ البرزخ في طيفه ...ليلمح ظل الأشياء ورتابة الدهر ...ووريقات الصفصاف الصامد ..استفاق على نقر الإسكافي في حوانيت (ايناضن ) ..وأولاد موسى في بوسمغون قريته ...
كان شارع (لاقوت دور بباريس ) يعج بالمهاجرين والمغاربيين ...وسوق : كليونكور) أيضا ...
برز الزبد من كأس الخمر ككأس صحراوي تماما في الجانب الأيمن الأقصى لحانة محمود في ( لوفالوا) بضواحي باريس ..
الرحلة من الذات إلى الذات مسافة البرزخ .
...وأغنية المطربة الجزائرية( الغالية ) : ( ياطيارة طيري بي) تصعق الآذان ...تدور في الحانة أصداؤها مثلما دار حمار (ولاد كمية ) في بوسمغون ذات موسم حصاد ظافر دورته السابعة أو التاسعة ...وهو يطحن (إمندي ) القمح في بيادر القبة ، إحدى بيادر القرية المفعمة بالفأل لدى أهالي القرية... أيام كان في ( البلاد ) يعبث بالقمح ...يلعب لعبته المفضلة قبل أن يهاجر إلى فرنسا عبر ميناء وهران دون تأشيرة دخول قبل استقلال الجزائر سنة 1962...فيما كانت إذاعة باريس في الحانة تبث أغنية هجينة للشيخة الرميتي الجزائرية..تلتها أغان لدحمان الحراشي ، أونريكو ماسياز ..وشارل أزنافور ، وجاك برال ..أعقبها ربط إذاعي خفيف للمذيعة مريم عابد .