الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

رتلٌ من الشباب يلج الحانة ثم ينصرف لتوّه ...يثير انتباه مريدي الحانة ، يمّمت زونا ( المتوسّطية ) شطر الشطيرة الهامدة على الفرن.أومأت للعربي المشدوه: أن لا خوف من هؤلاء ، هم زبائني – وضحكتْ ..:

- اشتموا رائحة الأمانة التي نسيتها بقرب مخدعك ، قال العربي مبتسما .

- هم أيضا لهم نصيبهم منها.ولنا نصيبنا من شرائح وشطائر الخنزير ، رد العربي ، وهو يغمغم :

(( قرأتك عدة مرات ، قرأتك في التوراة وفي الإنجيل والزبور ..وفي القرآن ..بحثتُ عنك في ماء الله .. وفي كل القارات ..تطاولت ُ على السبت والخميس ما عدا الجمعة ، وفتشتُ عنك في أقبية الماء لأنجب الماء الذي يجبلني ...وينجبني ابنا عاقا ..سكنتُ أيام الأحد .. من الفجر إلى ما وراء الدهر ...لأسترق صخورا صلدة ...الأيام تسير لاهثة إلى الخلف ...وأنت تسيرين بلا هوادة نحو جبنك ووهنك المعهودين ...تغازلك أطياف البراري وبقر الجاموس القابع دوما على قارعة الطريق ... تخافين معاكسة الثيران لك ... ينتشلك الحياء من الحياء ، لكنك تتوفرين على (( معيار)) الجودة ... وسهو اللحظة ...

وتجيئين دوما متأخرة إلى البيت لتقرئي من جديد فصول (ود) الثيران ،، ووله أبناء الحارة ... ماعدا عمي (( جابر)) الذي يمقتك .

وقتما جئته ، أجيء ونفترق لتونا .

- وأقرؤك عدة مرات – أنت الممنوعة من الصرف ، ومن (الطهي ) وقتما جئتك ، يجيئك الفضول الزائد ، وتجيئي مع (المبني للمجهول) ،يتخيل إليك ،يتخيل إليك أنني ساعي بريد الحي الذي تنتظرين قدومه وترشقينه من كوّة القبو بالحجارة والقبلات وبالنظرات الساخرة .

قال القاضي : ( مثنى ..وثلاثى .. ورباع ).

وقال القانون ( مثنى وثلاثى ..ورباع ).

وفي سورة النساء ما يكفي ...

شطيرة لحم الخنزير ما ت تزال قابعة على الفرن ، تغطيها حبة فلفل حار .. الحانة خالية من الزبائن .. الذين أخلوها بموجب مذكرة (غلق) كل المنافذ فيها ، حتى أجهزة إيصال الموسيقى والريح والهواء بأمر من رئيس بلدية المقاطعة ، لأن أمرا ما مشبوها كشفتْ عنه الشرطة . إعلان بغلقها لمدة ثلاثة أيام ريثما تستكمل فرق التحريات تحقيقها بشأن هذا (( الأمر المشبوه )) ، يذيل إعلانا لافتا بمدخل الباب ...

العربي يصيبه الدوار ، تصطك أ سنانه ، وهو يرمق عون البلدية يضع الدبوز الأخير ، يرفسه بمطرقة صغيرة ويثبته بشريط لاصق ... ثم انصرف دون أن يلقي السلام على أهل الحارة ،، ..تصطك أسنانه ، ينفث ما تبقى من سيجارة .. ينفض بقايا سيجارة محشوة ، يرفسها بمنفضة السجائر ..، يغمس يده اليسرى في جيب معطفه ، يخرج نصا كان قد كتبه حديثا ، لم يعرضه بعدُ على ( عمي جابر)) ، يطلب من النادل نبيذا وسيجارة محشوة أخرى ، وموسيقى إيحائية تصويرية ، .. هذا الأخير يمتنع لأن الأمر غير ممكن ، والحانة تحت مراقبة الشرطة ،كما ترى ، يضيف النادل : ألم تقرأ الإعلان ، وأن الحانة مشمعة ، إلى إشعار آخر ..أو على وجه التدقيق لمدة ثلاثة أيام .

هو ذا حداد المجاملة عند الأنظمة يضيف العربي ، وهو يلح على النادل أن يضغط على زر آلة الموسيقى ليسمع موسيقى هادئة أو صاخبة ترافقه في قراءة ما كتب حديثا ...

- صادروا كل الأشرطة يا سيدي ، يقول النادل في نبرة حسرة -..وسجائري المحشوة ، هل مستها المصادرة ؟...

- كانت بمنأى عنهم ، يضيف النادل مبتسما – خبأتها في جحر الفأرة الكبرى تحت المصرف مباشرة بعد دخول أعوان التفتيش الأولى . ألا أتتذكر تلك الفأرة الكبرى التي قضمت شطيرة الخنزير؟

– حسنا – فعلت – وحسنا فعلت ْ الفأرة .

شطيرة تحذف من مجموعة شطائر أخرى ..طيب ، وعلى من أقرأ ما كتبتُ..هل تفهم شيئا في الشعر؟

- لا يا سيدي ..أساعدك بالتصفيق .. عندما تنتهي من قراءتها هذا ما أملك ...

- فليكن ذلك ، أطلب منك أن تنفخ في الجمر ،بدت فكرة قراءتها على الشطيرة المطروحة فوق الفرن لعلها تكون جمهوري الغائب الحاضر ، وربما ، تضيف كفَّ يدٍ أخرى في التصفيق ، ألا تسمع بالمثل العربي القائل : (( يد وحدة ما تصفق ))؟

– هيا- أشعل النار على الفحم .

- صادروا النار يا سيدي .

حتى النار صادروها ( لهلا تربّحْهم ) وما العمل إذن ؟

- اقرأها عليها هامدة ..جاثمة فوق الفرن ...ألم ترها جاثمة ؟

فكرة حسنة : قدّمني لها بشيء من الإطناب والتهليل وقل أنني شاعر كبير ... أنحدرُ من سلالة المهلهل أول من قصّد القصائد على وقع إيقاع النوق ، وأن أحمد الفراهيدي هو الذي أبحر في البحور وأقام أوزانها وأن نازلك الملائكة هي التي تمردت على الشعر القديم وأن مظفر النواب صديق عمي جابر . هل تحفظ كل هذا ؟

- مع الأسف لا ، يا سيدي ، قد أقول إليكم الشاعر العربي ولد (الهجالة ) الأرملة كما ينعتك محمود صاحب المحل .

قل ..هذا ، هذا كاف .. كلنا (الهجالات ) الأرامل حتى محمود.

فكرة جميلة ..هيا ابدأ التقديم يا ندْل .

تقاطعهم زونا ( المتوسّطية )التي كانت مختبئة بين أضلعه كحواء تماما ، وقد سمعت كل شيء:

أنا أقدمك التقديم الكافي ...

المهم أن أُقدم تقديما مستفيضا ، والمهم أن يصفق علي الجمهور .

-أتلو ما كتبت وسأقدمك بما فيه الكفاية وأزيد عقب قراءاتك .

- لا أريد الآن .

- وأنا أقول بعد القراءة .

طيف عابر يحجز مكانا له بالكراسي الأمامية ، مباشرة قبل قرب المنصة التي لم تُجهز بعد .

...وشطيرة لحم الخنزير تستوقف الحاضرين المدعوين ، من خفافيش وجرذان الحانة ... التصفيق يغزو الحانة ... أطياف تصفق وأخرى ترقص ...

- المهم أن أقرأ قال العربي بوجه محتقن .. وشرع :

مثلما الحب لا يُجمرك

كذلك الوطن لا يُجمرك

مثلما الندى لا يُسرق

كذلك الأوراق لا تُجمرك

هذي الأفنان تورق .

ْعش لها غصنا أو تمرّد

عش لها أصلا ...وتحدث ..

فالجزائر.. أصلا .. لا تُجمرك

أعرْها وجهك لا تسكتْ.

امنَحْها عهدك .. لا تسكتْ

كن مثلها . لا تُجمرك .

تحيا الجزائر . قلها ، لا تسكتْ

حرفا امض

امض عهدا

امض فرحا ...

امض فرحك الأزلي ...

وأمض أملك الأزلي ...

سكبت زونا ( المتوسّطية ) دمعها في فنجان كان يسترق السمع ...اتكأت على المكنسة بإحكام كإمام على المنبر ، يرمقها الصمت السائد . ترمقها شطيرة لحم الخنزير ...

ودنتْ منها ...

نفخت ْ فيها من رئتها هواء نقيا ، أردفته ببصق . لململتْ لعابها ،انجذبت مسودة من مئزرها ،تعلو أطرافها بقع دم بدت بارزة على المسودة . أطرقتْ ، ثم قالتْ ، حيث كان العربي يصغي :

- ظللت تبحرين .. تمخرين عباب الشوق...

مركبتنا.

وانتظارنا بالمرفأ الموعود .. خبز معجون ...

رحلتِ.. والأمل خمر في فمك ...

واصطيافنا بالمربع المنشود وعدٌ ممقوت..

وأغنيتنا طفل بألف لقب ..

وأنتِ كالشمس تطوفين بشاطئنا المهجور ..

تطوفين بنا .. نطوف بك ..

نحمل الأغرودة غيمة بلا مطر .

وشراعا ممزقا ... بلا زورق

بلا وطن .

أيا شوقنا المحمول فوق نعش الشوك ..

فوق نعش النار ..

فوق نعش الشوق .

بمرفئك رسونا زمنا نقتطف الخوف ..

أيا وطنا مغروسا في رحلتنا ..

أيا وطننا النازف ..

وظللنا نرسو .. نرسو ..نرسو ..

نقتطف الخوف ..

نقتطف الخوف .. وغيمة محمولة على أكتافنا .. نجلب منها الخوف .

نحلب منها الخوف .

كأطفال الحي المسيّج .. في زمن الغلبة ..

ننتظر الآتي .. وحليبا من غيمة بلا مطر ..

ننتظر الآتي ..ورغيفا من بحر بلا حُفر..

ننتظر الأتي .. وصديقا من وطن بلا ضجر ..

ننتظر الأتي ..وأملاَ من رحلة بلا سفر..

طهارة المكان تدنسها خطوات فأرة أخرى رافقتْ الفأرة التي سرقت شطيرة لحم الخنزير .

من كثرة التصفيق بالت فدنّستْ المكان .

لم تُحاسب لأنها اعتذرت – بلطف- ، قالت: أعذروني ،إني أحضر لأول مرة أمسية شعرية ، لولا جارتي الفأرة ألحتْ عليّ لما جئتُ .. تركتُ ضيوفا بجحري .. وجئتُ مجاملة .

اللحظة أفلت .. وأعشوشب المكان ...

نخلة باسقة أينعتْ ثمارها في لحظة حاسمة ... يائسة ... بائسة ،كستْ بجريدها شطيرة لحم الخنزير التي اختفت إلى الأبد.

النادل من وراء المصرف : إنها مقيدة ،مسجلة في محاضر وفي سجلات الشرطة...عليكم أن تحضروها ، أو توجهوا لها دعوة أو استدعاء ، هذا شأنكم ،إني أمضيت عليها في سجلات الشرطة .كانت ضمن الجرد تماما كالأثاث وطاولات القمار .. وكل ما تحويه الحانة .

لا تجعل من الحبّة قبّة يا وحيد ..—يا ... ثم تصمتْ ..تحمّرُ وجنتاها ... ترتعش أوصالها ..تتمتم : زلّة لسان ، نسيت أن أقول يا " دجيمي " نسيتُ أعذرني ..آه رأسي ..أصابني دوار ، غثيان ...

وتنصرف زونا بسرعة إلى دورة المياه ،تدكّ ُالأرض بأرجلها، ينتعش العربي من غيبوبة أصابته بمجرد سماع اسم " وحيد ".

ينشق صدره من السعال ...يبصق على الأرض ... على مكان الشطيرة ..

يحمرّ وجهه الشاحب . يلتفتُ بدهشة صوب النادل :

- هل هذا هو اسمك : وحيد ؟

- لا يا سيدي – أسمي :جيمي " كما تعلم ، يقولها بلعثمة ، يخرج سكينا حادا من جيبه ، يبريه على سبائك كانت مطروحة ... يتطاول عليه ، محاولا غرزه في ظهره . يختفي النادل تحت المصرف . تجيء زونا ( المتوسّطية ) مسرعة وقد سمعت هول صرخة العربي وهو يزمجر كأسد جائع :

- دعه .. دع – جيمي - لا شأن له فيما حصل .

تضيف ، لتمويه الحقيقة ، دعنا منه إنه مجرد نادل جاء مغتربا من الجنوب التونسي ، وأنه لم يسوّ بعد أوراقه . لا تخلق له مشاكل مع الشرطة .

تنزف هذه الكلمات دما قانيا في وجه العربي الذي يزداد حمرة، وبوجه محتقن :

وكيف أراه يتعامل بلطف مع الشرطة ويعاملونه بالمثل ، ألم يكن شيئا آخر ،أو أن له وظيفة موازية، وإلا كيف لم يتم القبض عليه ؟.

- ذاك شأن الشرطة – لا دخل لنا فيه – حدّثني عن مضمون قصيدتي التي ألقيتها ، هل أعجبتك ؟

هذا شأني يا فدوى .. الآن أقولها .. وقد عرفتُ الحقيقة .

-أية حقيقة يا صديق عمي جابر ...هكذا أسميك من الآن .. أليستْ هي ذي القصيدة التي غيّبها اللحاف في شقة كنا نشغلها سويا بشا رع " ساندوني' ؟ .

- هي بالضبط سرقتها منك ، قبل أن تضبطها فرق المباحث عندك ، أو يختطفها مريدو الشقة رقم .21

--أي فرق تقصدين ؟ .

تذكر فقط الشقة التي كنا...؟؟؟

ازدادتْ وجنتاه احمرارا . تسمّر في مكانه . لم ينبس ببنت شفة ... واكتفى بالقول : جميلة يا فدوى ،لكن حدثيني عن وحيد .

- شربت دمه من سبابتي ، ألا تذكر ْ؟

- فعلا حصل ذلك ..يا فدوى .