ـ 2 ـ
كان الصبيّ يتقدّم في العلم تحت بصر وغبطة المدير. وكانت الأتان تتقدّم في العلم أيضاً. فألوان العلم على بوّابة المدرسة صارت امتحاناً يومياً في عينيها الجاحظتين. أخضر ومثلّث أحمر على أبيض وأسود. دون أي حرنٍ، صارت تعلم أن مكانها هناك، تحت شجرة الكينا. من هناك تشنّف أُذنيها، المتحرّكتين أبداً، بأصوات التلاميذ الآتية من القسم الابتدائي، وهم يردّدون خلف الأساتذة جُمل القراءة وأرقام جدول الضرب مُوقّعةً ذات جرس يجعلها، إذا ما سكنت وساد الصمت، تُطبطب أُذنيها، أو تومئ برأسها عالياً وسافلاً. فإذا ما طال الصمت أكثر فأكثر أرسلتْ نهيقاً ذا نغم.
"يا ربّ السماوات ماذا فعلتَ؟!" صرخ المعلّم في وجه الصبيّ حين رأى صفحة الدفتر مُصبّغة بلون أسود تتخايل فيه حروف الوظيفة. تظهر ولا تظهر. سوادٌ على سواد.
يكرّر المعلّم: " ماذا فعلتَ؟!" وهو يشدّ أُذن الصبيّ بقسوة من يطلب جواباً فوريّاً رغم علمه أنّ الولد لن يزيد على الابتسامة البلهاء والتعبير الحياديّ في عينيه البرّاقتين. أتاه الجواب من إحدى الصبيّتين اللتين تجمّعتا في ركن من المقعد
" أستاذْ ليس لديه ممحاة… يمحو بكعب الحذاء "
تبلّلتْ عين الأستاذ بدمع الشفقة، ومدّ يده في جيبه يريد استخراج قطعة نقد ليمنحها لهذا البائس الفقير. لكنّ الإحساس بأنّه يُفرط في رقّة قلبه، جعله يُخرج باكيت دخّان مُهرّب بدلاً من قطعة النقد، قائلاً برقّة
" خُذْ ... بعْ الباكيت واشتر ممحاة ودفتراً جديداً… "
ولولا أنّ الباكيت كانت قد استقرّتْ في كفّ الصبيّ القذرة، لانْتقل شـعوره نقلةً جديدة غير عابئة، إذْ أنّ بؤس البؤساء لا يُحلّ بنهْدة ضميرٍ.
من هنا تعلّم الصبيّ التدخين مُجتذباً نفاقاً من أترابه لن يدوم، حيث أتوا على آخر سيجارة في اليوم نفسه، مُنتظرين بقلق نهايات الدروس، ليتكوّموا في المراحيض الغاصّة بالغائط. هناك يشعلون سيجارة يتخاطفونها إلى أنْ تفوح رائحة العطبة، فيشعلون التالية، والتالية… والفتيات يتلصّصن بجانب عيونهنّ مُتظاهرات بأنهنّ لا ينظرن عبر الأبواب الخشبيّة المهترئة، حاسدات الصبيان على تفريغ مثاناتهم متى ما أرادوا، فلو أنّ إحداهنّ حُصرتْ وما عاد بإمكانها حمل بولها إلى البيت، لكان عليها أن ترشي اثنتين أو ثلاث من زميلاتها ليقفن سدّاً أمام الباب المهترئ من أسفله، وإلا ما كان لها أنْ تعصر ولو نقطتين وهي تتخيّل عيون الصبيان تحملق بالشخيب النابع من بين فخذيها.
بعزّة نفسِ من لا يريد إظهار صدقته إلى العلن، سيهمل المعلّم رغبته الملحّة في معرفة ما فعله الصبيّ بالباكيت. فقد ظلّ يلاحظ بخيبة المُحسن، وبطرف عينه، الدفترَ ذاته بصفحات المحو ذاتها. لكنّ المدرسة كلّها علمت بكلّ التفاصيل من العصفورة التي يستطيع كلّ واحد استنكار زقزقتها، إنّما لن يستطيع اسكاتها.
هكذا حرص المعلّمون، بتوافق سريّ، أن تعرف أياديهم اليسرى ما أعطته أياديهم اليمنى، بوحاً هامساً بين اثنين بدايةً، ثمّ حديثاً علنياً فخوراً: أنّ يد الصبيّ تناولتْ ما فاضتْ به ضمائرهم بسرور يكفي لأن يتكلّم الواحد منهم بحنو عن مدى غبطة ذاك المحروم وهو يمتنّ بتعابير عينيه عمّا يعجز لسانه عن لفظه. وليس من ضير في أن يزلق اللسان فيلفظ: العشـرين، بدل العشرة. والباكيتين، بدل الباكيت. وكيسـي قضامة بدل الكيس الواحد. وربطتي خبز بدل واحدة. فالمبالغة في النهاية ليستْ خنجراً يجرح.
هكذا نشأت في البلدة ظاهرة غريبة، ظاهرة شفقة بهذه العائلة البائسة. كان للمدرسة شرف البدء. ثمّ انتقلت الشفقة إلى الشارع. ثمّ إلى البيوت. وأخيراً إلى الجامع، حيث تركّزت خطبة الجمعة في الجامع الكبير على التراحم والتوادّ والتصدّق. وخصّ الإمام عائلة الصبيّ بالاسم مغرورقاً بالدموع، فالجميع، أولّهم الإمام يحفظون عن ظهر قلب آلاف الحكايات التي تصبّ في جيوب الفقراء واليتامى، وإنْ بقي الفقراء فقراءً، واليتامى يتامى. إذْ لن ينبت لليتيم فجأة أبٌ كان قد مات.
كانت الخطبة تقع على والد الصبيّ وقعاً صعباً، وما إن انتهت حتى خطف حذاءه وهو يشعر بأنّه يذوب في ثيابه. وإذْ شاهده أحد الذين تحرّكت فيهم الرأفة سارع إلى اللّحاق به، وجرّه عنوة إلى موقع أبعد بقليل من آخر أزواج الأحذية المنتشرة في صحن الجامع. هناك أجلسه، وبكلّ إيمانه نزع عن رأسه غترته وبسطها، وشرع على الفور بالنداء
" لله يا محسنين لله... لله يا محسنين لله ... ساعدوا أخيكم في الله!"
طفق المصلّون الخارجون يُسقطون نقوداً ورقيّة ومعدنيّة، مُخفّفين بذلك جزءاً من الغمّ، شاعرين بأن أجنحةً تنبت لقلوبهم.
الرجل الفقير المحصور في خجله يتمنّى لو أنّ المصلّين خرجوا دفعة واحدة، ليتخلّص بأقصر وقت. لكنّ المصلّين غير متساوين في عمق إيمانهم وفي عدد الرّكعات. هذا يكتفي، وذاك يزيد.
والرجل الذي تسبّب في استعطاء المُحسنين، يكتسب صوته شيئاً فشيئاً رنّة آلية. كلّما رأى أحد المصلّين يتقافز على حذائه داسّاً يده في جيبه، أعْلى صوته كأنّه يحث على الدفع أكثر. ومع سقوط النقود على الغترة يهبط قرار صوته، كما لو أنّ الدفع لم يكن في المستوى المطلوب.
ألنْ يكون من المفاجئ أنْ يملأ السمع صوتٌ جهوري
" لمن تجمع المال يا ابن آدم؟… لمن تجمع المال يا من لا يملأ عيـنك إلا التراب؟ "
من هذا النداء برز صوفيّ ذو ثياب مُرقّعة، مُحدّقاً بالمال بقرف من يحدّق بجيفة. والرجل الفقير يتصاغر تحت لهجة الاستنكار وكأنّه هو الذي يكنـز المال.
" لمن تجمع المال يا ابن آدم؟! "
من أين أتى هذا الصوفيّ؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟!
أيكون كلامه نذيراً؟ أم هو حشو مهنة المتصوفة؟
هذا ما سيشغل البلدة شهوراً. ذاك يفسّر كلّ مصيبة ستأتي على أنّها ذات صلة بكلمات الصوفيّ المُنذرة. وآخر لا يرى فيه إلا بهلولاً يهرف بما لا يعرف.
تلعثم الرجل الفقير في الحرج وهو يرجو الصوفيّ أن يحلّ ضيفاً عليه، فما دام الله قد بعثه والمال بآن واحدٍ، فإنّ حكمته قرنتهما معاً. وما عليه إلا أن يلحّ ويحلف
إنّما بلا جدوى.
إذْ كان الصوفيّ كلّما ازداد الإلحاف يزداد رفضاً ولسـانه يلقي المواعظ دون فواصل كما لو أن في حنجرته آلة تسـجيل، بينما كانت لحيته التي وخطها الشيب ترتفع وتهبط، وعينه اليمنى تتغامز باستمرار.
يهذر ويهذر
" … تجمع المال لمن يا آدمي؟! أليس للوارث؟!… تبني الدور لمن وأنت ستسكن اللحد؟!… تملأ بطنك بالطعام لأيّ شيء؟! ألست تتغوطه؟!… تنكح النساء بقلبك وبعينك فهل اكتفيت؟!! لا والله لا تكتفي إلا بملء عينك تراباً… يا مجانين الدنيا زائلة والآخرة باقية فلمَ التعب والنصب؟! "
زمناً في صمت الجامع الذي خلا من الناس ومن أزواج الأحذية، ظل الصوفي يدور ويدور ناقراً بعصاه بلاط الباحة هاذياً.
أمجنون هو؟!
أيفرش عدّة العمل؟
أم هو صوفيّ من أولئك المتصوّفة الحقيقيين؟
والرجل الفقير تتلبّسه ملامح المتهم بلا ذنب جناه.
… وكانت الأتان بعد ساعتين ترقى بأناة الممرّ الضيّق، صاعدة نحو المغاور، حيث اعتاد الصوفيون الإقامة. يحثّها الصبيّ بخفق قدميه، وبعصاه الرفيعة الصافرة في الهواء.
أَكانت خائفة مثل الصبيّ؟
أم أنها بروح الحيوان تعرف أن ليس ثمّة ما يخيف؟
متجاوزةً بخطواتها فوهات المغاور، حيث تندفع رطوبة جوف الأرض، والصبيّ لا يجرؤ على الالتفات كلّما مرّ بباب مغارة، متصوّراً آلاف العيون اللمّاعة لقبائل الجنّ تحتشد خلف الظلمة.
إنّما لم لا يكون أبوه مُخطئاً؟
ويكون الصوفيّ قد مرّ بالبلدة مثلما يمرّ بها صوفيّون كُثر لا يلبثون ولا يقيمون.
لم تبق في الأعلى سوى المغارة الكبيرة التي تطلّ على البلدة كعين عمياء.
من هناك ينـزل الممرّ حَدْراً نحو سطح مفرزة الأمن... خطوة. خطوتان وتستوي مسطبة من صخر أملس أمام باب المغارة، والأتان تنهق خادشة بحافرها الصخر. يبزغ الصوفيّ قادماً من جوف الظلمة مهيباً، على الرغم من رقع ثيابه الملوّنة. بيده السبحة أم الألف وفي فمه الأذكار. تجمّد الصبيّ على ظهر أتانه، بينما كانت عينا الصوفيّ تتدرّجان من النظرة المتسائلة إلى النظرة المرحّبة. مدّ الصبيّ يده بزوّادة الطعام، راغباً بلفظ كلمة... كلمة واحدة
لكن هيهات
ابتسم الصوفيّ، وتناول الزوّادة بيد جافّة وابتسامة عذبة. ثمّ ربّت على كفل الأتان يأمرها بالذهاب.
أَكانت الأتان تدرك لحظتها ما يُطلب منها لتمشي الهوينى كما لو أنّها أُمرت أنْ تكون حريصة؟ أم أنّها كانت ستتصرّف، على أيّ حال، بذاك الحذر الذي يجعلها تبزخ مقدّمة حافراً يعي أنّه ينبغي عليه الارتـكاز جيّداً، وإلا هوى الرفيقان في باحة المفرزة، حيث السيارات تبدو من هنا صغيرة، والعناصر يبدون كما لو أنّهم أقزام.
تاتا... تاتا... كان الصبي يلفظ في داخله، وهو يرى يديه تمسكان أطراف الأرنب الذي سيظلّ يحلم به.
… خطوةٌ واحدة إلى الأسـفل لتهبط الممرّ الذي بات زلقاً رطباً بسبب الظلّ المحصور بين الجرف وبين الجدار الخلفيّ لمفرزة الأمن، حيث نبتتْ شجيراتٌ ذات أوراقٍ خضراء داكنة، ما كان لها أن تحيا هناك لولا حبّها للعزلة... ونصف خطوة ليقع أوّل حافر على سطح المفرزة. والصبيّ لا يعلم حقّاً، إنْ كان قد نهز خاصرة الأتان في إيماءة مُشجّعة على اجتياز الحرم الأمنيّ أم أنّ الأتان قد قرّرتْ وحدها رؤية ما هو ممنوع.
في الدّاخل سكنتْ رؤوس العناصر، وشخصتْ عيونهم إلى الأعلى، وهم يصغون بقشعريرة وهلع إلى الوقْع المتقدم فوق السطح. لكنّ شلل أجسادهم لم يدم سوى الفترة الكافية ليصل الوقع إلى الحافّة الداخلية. فزّوا إلى بنادقهم بفزع، مُفكّرين
لـمَ لمْ ينذرهم الحرّاس ؟
أَيكونون قد ماتوا خنقاً؟
بحذر القطط التصقوا بالجدران، بعد أن قفزوا من النوافذ قفزات خبيرة على رؤوس الأصابع، حريصين أن لا يصدروا صوتاً… أسلحتهم مُهيّأة، وعيونهم تبصبص إلى الأعلى في وَهْم أن تطلّ أشباح المهاجمين من الحافّة.
وفي الحيرة سكنوا زمناً
كلٌّ ينتظر المبادرة من رئيس المفرزة، إذْ لا مصلحة لعنصرٍ في المجازفة. أمّا الرئيس فسـيكون مسؤولاً، إما عقوبة وإما ترفيع.
راحت الأفكار تختلط في رأس الرئيس غير المعتاد على حمل بطيختين مرة واحدة، فكيف إذا تسـاوطت الأفكار مثل أفاع تتناكح. كل العلوم العسكرية تبخرت من رأسه... لكنه أخيراً اهتدى.
كانت الفكرة تتلخّص في الالتفاف حول المراحيض المعزولة. لو أنهم يصلون إليها لكانوا في وضع قتالي أفضل. من الكوى سـيطلقون، وستكون الجدران خير واقٍ لهم، إلا إذا كان بحوزة المهاجمين آرْ ب ج عندئذٍ ستتحوّل المراحيض إلى مـصهر مميت.
يهرش جبينه كما لو أنّه يحكّ الأفكار
أما إذا كانوا لا يمتلكون آرْ ب ج فإنّ المشكلة تكمن في الخطوة الأولى، إذْ عليهم قبل الوصول إلى المراحيض، أنْ يجتازوا الساحة المكشوفة
يا إلهي.
من هنا لا يظهر في المحارس أيّ من الحرّاس. إمّا أنّهم قُتلوا، وإمّا أنهم أُسروا وقيّدوا. في كلا الحالين لا يستطيع الرئيس أن يستفيد منهم… إذا صرخ، علم من هم فوق بوجودهم تحت، ليزخّ الرصاص من حافة السطح بزاوية حادّة نحو أسفل الجدار.
ياله من وضع محرجٍ!
ولولا النّهيق الذي أطلقته الأتان بحسّ مرح لبقي الاستعصاء قائماً.
كما لو أنّ نهيقها كان بوق نفـير أفزع الحرّاس الأربعة في نعسـهم، ليطلّوا من محارسهم المُعلّقة دفعة واحدة. وليتفاجأ الآخرون، من هنا، من الأسفل، كما لو أنّ وجود زملائهم أحياء أمرٌ خارق. يرونهم من هنا، من أسفل الحائط، مُتجمّدين في الدهشة فلا يفهمون لم لا يأتون بأيّ حركة.
مشهدٌ غريب أيضاً، أنْ يرى الحراس زملاءهم أسفل الحائط محترسين بسلاحهم، وفوقهم تحت السارية تشرئبّ أتانٌ يمتطيها صبيّ.
أَلا تحتار العقول هنا وتعجز عن اكتناه المشهد؟
من هم تحت ينتظرون من الحراس، ما داموا أحياء، أنْ يرشقوا المهاجمين بنار رشّاشاتهم…
لكنهم لا يفعلون!
ومن هم فوق مشدوهين لا يعون ما يرون.
مشهدٌ غريب عجيب
حرّاسٌ ثبتتْ حركة كلّ منهم في فتحة المَحرس مشدودين إلى نقطة واحدة. وعناصر مسلّحون ثبتتْ حركتهم في نصف الانتصاب إلى أصل الحائط، كما في صورة فوتوغرافيّة. وأتانٌ تنهق مُستعيدة في نفسها ذكرى غبطة ما، يعتليها صبيّ ساهٍ لا يُدرك معنى أن تطأ أتانه سطح مفرزة أمنٍ، كما لو أنّها تطأ أرضاً لله.
فجأة شرع أحد الحرّاس يضحك ضحكاً هستيرياً، عندما أحرز بلَمْعة ذكاء بأيّ عدسة عجائبيّة صُوّر هذا المشهد الغريب. ثمّ التقط رشّاشه، وطفق يطلق نحو السماء.
لا الضحك ولا إطلاق النّار نحو الأعلى، كان مُفسّراً لدى أولئك الملتصقين بالحائط.
وعندما وصل معنى المشهد إلى زملائه الثلاث في محارسـهم، التقطوا هم أيضاً رشّاشاتهم، وأطلقوا نحو تلك النقطة من السـماء. ومثله سرتْ عدوى الضحك في أجسادهم.
رشقٌ وضحكٌ
ضحكٌ ورشقٌ
ألا يعي إذن أولئك الذين انْشبحوا إلى الحائط؛ أن ليس بالحرّاس جنونٌ، وإنّما هم يرون فوق السطح شيئاً مضحكاً؟
بلى
لأنّهم وإنْ لم يتساووا في الإدراك سريعاً، إلا أن عدوى ارتخاء سواعدهم الحاملة للسلاح، وعدوى اعتدال قاماتهم بعد القرفصة المتحفّزة، أدخلتْ في نفوسهم شيئاً فشيئاً، أنّهم احترسوا ممّا لا يُحترس منه، وأنّهم وقعوا في وضعٍ مخجل يثير كلّ هذا الضحك والبهجة. لكنّهم إنْ لم يروا بأعينهم ماذا يكون هذا الشيء المتمركز هناك، فوق السطح، فإنهم لن يستوعبوا إلى أي مدى دفعهم القدر ليكونوا محطّ هُزء زملائهم.
لعنة الله على الخوف
كلّهم سيحلفون في لحظات الصدق أنهم اعتقدوا بأن المهاجمين وضعوا لهم نهيق الأتان في مسجّل ليربكوهم. وليموّهوا. وليهينوا.
متشجّعين ببعضهم البعض تخلّوا عن الحائط نافذين من ظلّه إلى الشمس، رافعين وجوههم إلى الأعلى وأكفّهم تظلّل عيونهم ليروا الأتان تدور مرتعبةً، والصبيّ طافح الذراعين والساقين، وعصاه تعلو وتنخفض وتنجرف يميناً وشمالاً، كما لو أنّها مؤشّر بوصلة يهتزّ في كوْنٍ مُضطرب.
لو أنّ أحداً رفع عينيه إلى أعلى الجرف، لرأى الصوفيّ من هناك يطلّ، ولأنشأ حكاية، مثلما ستنشأ حكايات عجائبيّة عن معجزات سيقوم بها، كأنْ يراه يرسم دائرة بذراعه في الفضاء، ثمّ يشقّ الهواء إلى نصفين في حركة حاسمة تجعل الأتان تتوقّف مُتجهة ذات الجهة التي أشّرت عليها سبّابته.
"خصيمك الله يا أخرس الشياطين!" هتف عنصر وشرع بالضحك مُلقّماً بندقيّته. لكنّ رئيس المفرزة بادر إلى تخفيض سبطانة البندقيّة بإصبعين. فالأمر في عقله بكلّ تفاصيله المبهمة، يحتوي على نوعٍ من الانتقاص له أولا، ولهيبة الدولة ثانياً، ومع ذلك هو الذي أومأ للصبيّ بمرح مُصطنع، أن ينـزل، مُلتقطاً التسمية التي أطلقها عنصره
" تعال... انزل يا أخرس الشياطين "
وبحشدٍ من أجساد وبنادق زُفت الأتان وصبيّها الذي ولج المرح قلبه بعد أن داخله شكّ من أنّهم سيسلقون جلده، فطفق يفتح فمه ويغلقه، مُقلّداً حركات أخرس يعرف كيف يغشّ، مُردّداً في داخله مع عناصر المفرزة
فوق الخيلْ فوق الخيلْ
نشد العزم نشد الحيلْ
....................
فووووووووووقْ الخيلْ