ـ 3 ـ
بتلك الرّوح العطوفة التي راحتْ تنتشر في البلدة مثل عدوى زكامٍ؛ انطلقت الأتان على طول الشارع الرّئيس مُتجهة نحو المركز الثقافي، حيث تتمركز الدوائر ومقرّ الحزب. رأسـها ينوس بين وضعٍ عالٍ تطلّ منه بعينين ذكيّتين على المارّة، وبين وضع خفيض تترسّم فيه وقع خطواتها على البلاطات النّازلة الطالعة. تجبرها البضائع المندلقة على سيرٍ غير منتظم، فتستغلّه هي في المرح كما لو أن الخطوات الجانبية جزءاً من لعبة. وبين لحظة وأخرى تنفض رأسها يميناً وشمالاً متلاعبة بالبالونات الملونة المعلقة في شعر رقبتها وكأنها تقول
انظروا.
الصبيان خلفها يهتفون بما تعلموا أن يُهتف به في مناسبة كهذه، وهي أكيدةٌ من أنّ فارسها مسرور بجرّ هذا الجمع الهتّاف، مثلما هو سرورها بامتلاء بطنها الذي تُعبّر عنه من تحت ذيلٍ يلوح مُتمايلاً. مُنتصباً منخفضاً. ملتفاً. دائراً. وفي الحرج من أن تفعلها أمام عشرات العيون، تجبر نفسها على الانقباض، كلّما شرع ذيلها بالإيحاء وشرع الصبية يهتفون
" قمّط يا وريقْ الخسْ قمّطْ… هيهْ… هيهْ… هيهْ… "
إذْ ذاك تنقبض، وتدفع عميقاً في جوفها ما كان ينتظره أولاء الصبية. خيبة وراء خيبة. تهمّ ولا تفعل. ترعد ولا تمطر. يبرز مثل كمأة، وينطوي مثل فم أهتم.
البعض يهتف هنا، والبعض يهتف هناك
قمّطْ يا وريقْ الخسْ قمّطْ
....ْ ... أسدْْ... رمز الثورة العاااربيهْ... ....ْ ... أسدْْ
ولا مَنْ يجد غضاضة. حتى رئيس المفرزة ومدير المدرسة وشيخ الجامع وضابط الشرطة وأمين الشعبة، الذين كانوا فيما سلف يُبدون في ملامحهم ثنيات غضب من القليل الموحي بنقص الجديّة، حتى هؤلاء الغُضّاب، تباسموا بسماحة وهم ينظرون جمع الصبيان يتقدّم عابثاً خلف الأتان نحو بوّابة المركز، حيث أحاط صفّان من الشرطة بصفّين من أطفال الطلائع المزرقّين برداً، بفولاراتهم وبقمصانهم الصفراء ذات الخريطة التي تشبه نمراً يشبّ، حاجزين في الوسط الممرَّ الذي رسمتْ عليه ارتجالاً نجمة داوود. بل إنّ مدير المدرسة مال إلى أذن رئيس المفرزة، ليهمس فيها بإنجازه المهمّ في إعادة هذا الولد الذي يعتلي الأتان إلى المدرسة " فلا يُعقل أبداً أن يتسرّب من التعليم لمجرّد أنّ أهله فقراء! " وليُجيبه رئيس المفرزة بهزّات من رأسه وبابتسامة عريضة، على الرغم من روح الرّزانة التي راحت تراوده منذ بدأ الجمهور يتوافد.
كانت إشارة مدرّبة الطلائع قد انْطلقتْ عبر نفْضة من يدها، آمرة بالتحيّة الطلائعيّة للضيوف الصبيان الذين أعادهم بريق النّجوم على كتفي ضابط الشرطة إلى الجدّ. انتصابٌ مبالغ به. صدورٌ بارزة إلى الأمام. أذرعٌ متباعدة. وآباطٌ منتفخة
أهلا وسهلا بيييييييييييييييييكمْ
طلائعْنا بِتْحييييييييييييييييييكمْ
ثمّ الإيقاع المرح للتصفيق المُدَوْزن بفرح طفولة على هذه الصورة: خمس تصفيقات مُتتالية بفاصلٍ زمنيّ مُتساوٍ وقصيرٍ لثلاث دفعات، وثلاث تصفيقات مُنفردة بفاصل أطول.
بدا وكأنّ تلك التحيّة كانت للأتان وفارسها الصبيّ الذي عرّم جسده كما لو كان ينـزل من رأس جبلٍ، جارّاً وراءه الصبيان الذين انْدغمت أكفّهم مباشرةً بالتصفيقة الطلائعيّة المرحة. كان من الممكن تنبيه الصبيّ، قبل أن يلج الممرّ، إلى وجوب ربط أتانه بعيداً. لكنّ جوّ الفرح أعمى الجميع، فلم ينتبهوا إلا والأتان تخطو بثقة فوق نجمة داوود والجةً الممرّ.
ومن عجبٍ أن يكتسب وقع حوافرها على الفور إيقاع التصفيق: توقيعات من الحافرين الأماميين في ثلاث دفعات
ثم ضربات متأنيّة بالحافر الأيمن
ونفْضة إلى الخلف للرأس الضخم
وسكون تمثيليّ...
فات الآوان على منعها.
وأيضاً بروح مرح وطيبة أبدت رغبتها في صعود الدرج نحو الصالة، كي ترى ما الذي سيحدث هناك. حيث الزحمة والهرج والاستقتال على انتزاع المواقع الأمامية ممن اعتقدوا أنّهم بوصولهم مُبكّرين ضمنوا رؤية صورهم على شـاشـة التلفزيون، لكن نهزةً من قدم الصبيّ أعلمتْها أنّ دربها يسير مستقيماً باتجاه شجرة السرو حيث ستُربط. ولأنّها أيسر من أنْ تُعاند، أطاعت مُجتازة باب الألمنيوم والبلّور، ليس دون عثرة بظفر الألمنيوم اللاصق بالبلاط. هي عثرة يعلم الصبي أنّها تصطنعها اصطناعاً ، لتدفعه إلى الانكباب على عنقها.
( ... تستلذْ الملعونة! تستلذْ ) أسر لنفسه وهو ينبطح على ظهرها ويحضن رأسها.
فوق... كانت الصالة تغصّ بالصخب، وفضاؤها تحت السقف غابةٌ من أعلام وصور تتدلّى. لا أحد يصغي لأحدٍ. الكلّ يصرخ ويتنقّل. والفرقة الموسيقيّة المُؤلّفة من طلاب الثانوي ذوي الزّنود المُعرّاة تتحضّر استعداداً للعزف. دقيقة. دقيقتان، وترتعش الأعلام والصور والأجساد، وحتى الدم في العروق، بضربات الطبل الذي يقرعه فتىً يعطي عزمه في زنده باسماً مغتبطاً من أنّه هو بالذات مَنْ يستطيع تغطية كلّ شيء بطبله. ثمّ تنطلق الآلات النحاسية.
لكن هيهات؟
أين قوة النّفخ مهما تضخّمتْ؟ من زند فتى يقرع بعنف جلداً مشدوداً على فراغ أوسع من برميل؟
ألا يصمت الجمع المتراصّ الصاخب إذن؟ بلى بلى. ويتعمّق الصمت، حتى أنّه لولا الصدى الذي يتركه قرْع الطبل في الفواصل، لأمكن سماع رنّة الإبرة.
وقوفاً في الممرّات بين الكراسـي وفوق الكراسـي، كانت الجموع تنتصب. كلٌّ يدفع قامته ويؤشّر بيديه ويحملق بكشّاف الضوء المسلّط، كي تلتقط الكاميرا غبطته بتوقّع مشهده على الشاشة. وحده صفّ الكراسي الأمامية كان مشغولاً بمن لا يسمح لهم موقعهم إلا أنْ يتميّزوا برصانة تجعل سحنة الواحد منهم تضطرب بين الفرح وبين الرصانة المطلوبة أمام كاميرا سيرى صورتها الناس، وبالأخصّ منهم الأهل الذين ستمنحهم الصورة نوعاً من قوّة يتباهون بها أمام الجيران والمعارف. على المُرابط هنا، أنْ يحسب كلّ حركة، وأن يرسم على وجهه تعبيراً، هو بين بين. بين الجدّ العَبوس وبين الفرح. لكن هذا الحساب المقلق هو يالضبط ما يجعل عيونهم تدور في محاجرها، مُرتعبين من أن تضبط الكاميرا ما لا يرغبون، ليرى النّاس لاحقاً المَشاهدَ تزدحم بحركات أيدٍ، ورأرأة عيون، وتمخّط خَجَلٍ، وسعال كاذب.
في الخلف كان الذيل المؤلف من الصبيان واللامبالين يتلوى، لكنه سيسكن مع أول قرعة طبل. عندها بدأت معاناتهم في الوقوف على رؤوس الأصابع، كي يروا المسـرحَ، حيث الفرقة والمنبر المُنار بأضواء تجعله يتلامع ويتبارق. وعريف الحفل ذو اللحية الشبابيّة القصيرة يتنقّل ببدلته الزرقاء وربطة عنقه المُبرقشة بين مسؤول ومسؤول، مُنحنياً فوق رؤوسهم بزهوّ الطاووس الذي يتهيّأ لنشر ذيله، وبجدّية من سيُقدم على إبلاغ الجمهور بشيء لا يبتعد عمّا قاله المتنبّي
"سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسنا بأنّي خير من تسعى به قدمُ "
... بحركة غدرٍ جعلت وجه قارع الطبل ينضح حقداً، أنهى الصنجُ العزف بعد لحظة واحدة من ارتخاء ذراع الطبال. وكانت صدمة صحني النّحاس ما تزال ترنّ مرفرفة بين الصّور والأعلام، عندما ارتقى عريف الحفل درجات المسرح، وذيل الألوان يتسحّب خلفه مرشوقاً من نافذة العرض. صعوداً وهبوطاً عبر ضباب الدخان وكثافة الأنفاس تنبثق حزم نور ملوّن مجتازة فضاء الصالة لتنطبع دوائر ونجوم. تتعلّق الدوائر والنجوم لصيقةً بخطا عريف الحفل، الذي اجترح الكلام فور قبضه على ساق الميكرفون، نافثاً همساً ملأ الأسماع
آلو... آآآلوووو... واحد... اثنان
وبلا تلكّؤ صدح بقصيدة على قافية الـ " يّهْ " تغصّ بألقاب الرئيس الموصولة بزر مع التصفيق. يلفظ " ....ْ ...ـيـهْ " فتلتهب الأكفّ. الـْ....ـيـهْ. تصفيق. رمز الـْ.....ـيـهْ. تصفيق. ضمير الـْ....ـيـهْ. تصفيق. وفي آخر بيت مدّ القافية، ثمّ بتر فجأةً، ليعلن بصوتٍ مُرهق عن الخطيب الأوّل الذي رآه الحضور يصعد بخشية كما لو كان ديكاً مبلّلاً يجرّ ذيل خزي.
بدتْ عينا الخطيب هلعتان ضائعتان لا تحطّان. وعندما همس عريف الحفل في أذنه وهو يُقرّب الميكرفون من فمه، جفل كما لو أنّه سيُضرب… مرّات عديدة تهيّأ برفيف شفتيه وبتقليص قامته، لكنّ كبحاً عظيماً كان يربكه، ويلوّن شـفتيه بلون غريب كأنّه يُخنق… أخيراً. أخيراً نجح في لفظ حروفاً مُتعثّرة من الجملة الشهيرة
" أيّها اليـّ … فْفففا … قْ … أ … يّـ … هـ…ا … الـ… مُـ... و …ا …طِطِطِ …نـ …و…نننـ...نْنـ "
فجأةً راح يترنّح في عيون الجمهور. والوجوه والأضواء والأعـلام والصور تترنّح في عينيه. زال لون الاختناق من وجهه بالتدريج، ليحلّ محلّه اصفرارٌ شمعيّ وعرق يتلامع. وحين لم يعد باستطاعة جسده البقاء مُنتصباً؛ ترنح إلى الأمام والخلف، وانقلبت عيناه إلى بياضهما، ثمّ اختفى خلف المنبر، مع صوت ارتطام بالخشب... لكنّه... ظلّ يحضن المكريفون.
" داخْ… داخْ… داااااخْ… سقطْ... سقطْ ... سقاااااطْ " صاح أحد الصبيان، فردّدوا جميعاً بصوت عالٍ مثلما يردّدون الشعار في تحيّة الصباح
" داخْ… داخْ… داااااخْ… سقطْ... سقطْ... سقاااااطْ " هكذا أطلق الصبيان طيف نكتة. وكما لو أنّ جنيَّ الضحك شـرع بأصابعه المليون يدغدغ كلّ البطون، طفق الحشد يضحك ضحكاً هستيرياً لا ينطوي على احتقار لـحمدان الساقط خلف المنبر، بقدر ما ينطوي على جوّ خُلق بسحر الصيحة: "داخْ… داخْ… داااااخْ… سقطْ... سقطْ... سقاااااطْ " وكأنّ أحداً لا يسقط أبداً. وربّما كان لتوقّع اللعثمة واللثغ والتأتأة وتربّصهما نصيبٌ أيضا في هذا الضحك المجنون. فالكلّ يعلم أنّ الرفيق حمدان يصرّ في كلّ مناسبة على أنْ يلقي هو بالذات كلمة منظّمته، وفي كلّ مرّة تمتلئ كلمتـه بالأخطاء واللثغ والتعثّر واحمرار الوجه وتعرّقه. كثيراً ما صاحوا حين يُحسَّك الكلام في حلقه بلا أمل في تجاوز الجملة اللّعينة
اقفذْ عنها يفيقْ ... اقفذْ ... اقفذْذذذذ...
فيقفز اليفيق حمدان دون أن يعدم جملة لعينة أخرى مليئة بالراءات اللعينة أو الزايات الألعن... وقفزات أُخرى وأََخرى. لكنّ ما حصل اليوم لم يحصل من قبل. في المرّات الماضية كان، على الأقلّ، يُنهي كلمته المتقطّعة باللثغ والقفزات وهو منتصب، أمّا هذه المرّة فأنهاها سطيحاً.
في عمق المسرح، تحت أقدام الفتى قارع الطبل، مُدّد حمدان مرفوع القدمين على كرسيّ بعد أن خُلّص المكريفون من أصابعه المتشنّجة… طبيب يقيس ضغطه. وممرّض ينضح وجهه بالماء. بينما انتصب خلف المنبر خطيبٌ لا شكّ أنّه لا يرى في الحادثة ما رآه الحشـد، فقد كانت قامته مشدودة وفي عينه نظرة ثأرية توشك أن تجرح، ساكناً سكون عاصفة ستزمجر. وبالكلمات ذاتها التي أسقطتْ رفيقه صرخ
" أيّها الرفاق... أيّها المواطنون ........." مُوغلاً على الفور ببلاغة خطابيّة، تمتدّ فيها حروف المدّ إلى آخرها، وتنْبتر الحروف الساكنة في وقفة حادّة وجادّة، كما لو أنّ معركةً تُكسب في هذه اللحظة بالذات.
استحوذ الخطيب المُفوّه على الانتباه، وكأنّ يديه المتحرّكتين خفْضاً ورفْعاً قد شبكت أنظار الجميع. نطاسيّ خطابة كانَ. رجل منابر... يصطنع بين الصرخات وقفات هدأة. يتفرّس في الوجوه، كأنّه يحدق في كلّ عين ليرى الأثر، أوكأنّ ما يقوله هو عين الحقيقة التي سيكون من الجريمة ألا تقتنع بها عينٌ لعبتْ أو يدٌ هرشتْ.
النّوافذ الوسيعة مفتوحة إلى آخرها كي تسحب الأنفاس وروائح الأجساد لتوزّعها في الفضاء، ومنها كان صخب الآلات الموسـيقيّة قد خرج. وعبرها الآن ينفذ صراخ هذا الخطيب الثائر بشـكلٍ مُضاعف. مرّة لأنّه تلا سقوط حمدان، ومرّة لأنّه يدرك أنّ الثورة تُمسّ إذْ يصخب الضحك على وقوع خطيب من خطبائها. لذلك دارتْ كلمات خطبته عاصفة حول معنى وحيد. لخّصه في البداية ببيت الشعر
"تقضي الرجولة أنْ نمدّ جسومنا جسراً فقلْ لرفاقنا أنْ يعبرووووووووا… "
والأتان المُتوحّدة في الحديقة تحت شجرة السرو شرعت بالنهيق. نهيق، يعلم الصبيّ من نغمه، أنها مسرورة وأنها تتوق إلى رؤية ما يحدث هنا. نهيقٌ متدحرج، مرح. نهيق يُشبه لحظة الغبطة التي تجعل عضلات الأنف تتقلّص، وأعصاب الشمّ تُدغدغ، والمثانة تلحّ… مُتحيّنة تلك السكنات بين تدفّقات الخطبة، لترسل النهيق المغتبط
…الثورة قادرةٌ رغماً عن أنوفهممممم
هااااءْ هااااءْ هااااءْ...
في هذالمُنعطف التاريخي الخطير
هااااءْ هااااءْ هااااءْ...
الثورة للجماهير والجماهير للثورة
هااااءْ هااااءْ هااااءْ...
مثلما هو الجسد الواحد
هااااءْ هااااءْ هااااءْ...................
وفي عينيّ الصبي تندغم صور ثلاثة لأفواه ثلاثة
فم الخطيب الذي يمتط ّوينحسر مثل ستارة في ريح
تكشيرة أتانه وهي تنهق
شفتا أمّه وهي تتخلّص في آخر نوبة السعال من البلغم ذي الخيوط المدمّاة.