ـ 5 ـ

4 0 00

ـ 5 ـ

على الرغم من السعال ونفث الدم، راح خدّاها يحمرّان، حتى ليمكن إحصاء العروق الدقيقة التي تتلوّى تحت البشرة الرهيفة.

" ما شاء الله تفّاح خدّك نضج "

"سبحان الله! كلّ أدوية الأطباء من غير فائدة... وحدها قراءة الصوفيّ نفعتْ "

" بنت البنوت تحسدك على حمرة خدك "

" واللهِ وباللهِ… ولا... وجه مريم المغربية! "

تتباسم. ولولا نفث الدم والسعال لاقتنعتْ أنّ صدرها سائرٌ إلى الشفاء مكتسـبةً همّة طارئة. تعجن. تخبز. تطبخ. تغسـل. وتهذر بلوم لا يفتر لزوجٍ يسهر الليل بطوله وينام النهار كله. ثمّ … في نوبة أخرى تهبط إلى يأس صمتٍ ودمدمةِ شكوى، تُرفعها إلى ربّ اختارها من بين الناس، ليسلّط عليها آفةً تأكل رئتها. تأتيها مثل هذه النوبة حين تقذف مع سُعار السعال قطع دم، فتسارع إلى تغطية فمها بخرقة مُلوّنة لتخدع نفسها. فالخرقة البيضاء تُظهر كمية الدم موفورة. تضغط الخرقة على فمها، ريثما تشعر أن كتلة الدم انقلعتْ وتوضّعت في ثنايا الخرقة، حينئذ تمسح بها أسنانها وشفتيها وتدسّها تحت الفراش مبصبصة في حرجها؛ إذا ما كانت النسـوة حاضرات… هي في الضيق والخجل، وهنّ في تظاهرهنّ بأنّهن لا يرين شيئاً. أحياناً وعندما تكون وحيدة، تبسط الخرقة وتتأمّل جلطة دمها طويلاً، وكأنّها تتأمّل روحها… وكان هو يرى أمّه تذوب وروحها تنسلّ شعرةً شعرة، لتصبح في أواخر أيامها عظاماً، يترهّل عليها جلد، وجمجمةً تتلجلج فيها عينان.

تناديه بصوتٍ واهن كأنّه يخرج من جوف قبر. يقترب منها حائراً بين الحب والنّفور. وما إنْ يلمس يدها حتى تسري فيه رعْدة غامضةٌ. يستذكر صوت الإمام وهو يفخّم

( لا تقلْ لهما أُفّ ولا تنهرهما... )

حينئذٍ يشعر بأنّه خاطئ، ويتمنى لو أنه... يركع إلى جنبها. يمسك يدها. يمسح حبيبات العرق عن جبينها، ثم يقبل وجنتها الناتئة.

بهذا كلّه كان الصبيّ يفكّر حين انتبه أنّ الجميع نهضوا وهم يُطبطبون كتبهم، ويدسّونها في محافظهم. فزّ هو أيضاً حاملاً دفتره الوحيد، وشـقّ الزّحمة مشتاقاً لأتانه التي بدأت بالنهيق.

لا أحد يمكنه أن يدرك السرّ وراء قرار المدير بتحويل دخول الطلاب وخروجهم إلى ذاك الباب الجانبيّ. المعلمون ومدرّبو الفتوّة والمُوجّهون تساءلوا ما إذا كان قرار المدير مجرّد اعتباط! لكنّ عقل المدير فيه دوماً ما يبرّر كلّ شيء بأيّ شيء.

هما الاثنان...

هو وإمام الجامع يجدان دوماً التبرير لكل شيء

" الإمام... هَهْ... إنّه قادرٌ على تزويج فرخ شبّوط بأرنب دون أن يرفّ له جفن وبمسند أحمد! ".

" الأستاذْ... هَهْ... قادر على إقناع الصينيين أنّ العرب هم الذين بنوا سور الصين العظيم، وعلى إقناع البشريّة كلّها أنّ العرب فكّروا بالصعود إلى القمر قبل قرون وقرون باستشهادات من ميشيل وزكي... دون كنىً... هكذا بساطٌ أحمديٌّ . فهو رفيقهم ".

قد يكون المبرّر العلنيّ لقرار المدير ضعيفاً ، كأن يكون كلاماً عن أمان الطلاب من الدهس

(... إذْ إنّ خروجهم إلى الشارع العامّ في حماسهم حين انتهاء الدروس، يمكن أن يعمي عيونهم، فيندفعون بين السيّارات المسرعة. حينئذ يحصل ما لا تُحمد عقباه )

لكنّ المبرّر الداخلي سيكون شديد التماسك، إنما لا يمكن إظهاره. فكيف له أنْ يترجم الأوامر الأمنية المنصوص عليها في كتاب ممهور بسريّ جدّاً، يُشدّد على اتخاذ الاحتياطات كافّة، لتقليل الخسائر فيما إذا هوجمتْ المدرسة. إذن ألا يكون حصيفاًً إذا ما فكّر بسيّارة مُفخّخة، تتخفّى ضمن سيل السيّارات المارّ في الشارع العامّ. مُتصوّراً أنّ سائقها المجرم، حين يوازي باب المدرسة الكبير، سينحرف فجأة. تندفع السيّارة، بعطالة السـرعة، قافزة الدرجات الأولى. ثمّ... في الفسحة التي توزع الممرّات نحو الصّفوف، ستنفجر مُحوّلة بناء المدرسة إلى كوم من حجارة وأشلاء. متخيّلاً حينذاك جثّته مهروسة تحت الركام. ألا يحتاط إذن؟ جاوبوه؟

بلى! بلى! بلى! يجاوب الصدى في داخل المدير.

وزيادة في الاحتياط سينقل مكتبه إلى آخر الممرّ، قريباً من المراحيض حيث الروائح النفّاذة، فضمان الأمن لا بدّ له من تضحية.

مدّت الأتان ذيل نهيقها واكتظّتْ بالهمّة فور اعتلائه ظهرها، قاذفة نفسها في الزحمة، حريصة على مُلاطفة الرؤوس الصغيرة عند أسفل طاقيّات الطلائع والفتوّة. تُعضعض الهواء مطقطقة بأسنانها الضاحكة خلف الرّقاب، وحريصة أيضاً أن تضع حوافرها في موقع خالٍ من الأقدام، فإذا ما استشعرتْ أنّ حافرها مسّ قدماً؛حولتْ ثقلها واستمتعت بالهتاف

" عامر يا عماره يا زوج الحماره "

وهي كأنّها تدرك؛ تُلعِّب رأسها هكذا وهكذا.

وللفتيات عندها مداعبة خاصة. تقترب خلسة وتنخر نفساً في شعورهن، وهي تمسّ كتف الفتاة بنهيق خافت. تجفل الفتاة أو تصطنع، فيتولى الصبية المناسبة ويشرعون

عامر يا عمارة يا زوج الحماره

كلاهما اعتاد المرور بدكان الصقّار ليتفرّجا وليكملا الحلم

( ماذا لو أنّ الصقار. هكذا. فجأة ناداه قائلاً: خذْ الصقرين. إطهمعما وحافظْ عليهما. إلى أن يظهر الخليجيّون.عندئذٍ... بعهما... وبالمال الذي تحصل عليه... داوِ أمّك واعتن بأبيك السكّير. ولا تنسَ أن تشتري لنفسك ما تشتهي )

مبطوحٌ على ظهر أتانه. رأسه إلى جانب رأسها. يحدّقان بالصقرين اللذين يُهيّجهما شعورهما بوجود حيوان غير بعيد. يشتدّ توتّر الصقرين المطمّشين. يتمايلان. يصغيان مرّة بهذا الجانب ومرّة بذاك الجانب. يقفزان دون أن يستطيعا الارتفاع، ويخفقان بعنف مشتبكين بأجنحتهما.

" انْقلعْ يا ولدْ " صرخ الصقّار، وهو يدلف من الباب الخلفي للدكّان. وبدا أن نبرته الآمرة لا تكفي، فالصبيّ والأتان بقيا على جمودهما.

" يا ولدْ رائحة الأتان تقهرهما... ألا تفهم؟ "

ثمّ فطن إلى أنّ أي كلام لن يجدي. أخرج قطعاً معدنيةً، جعل رنينها الصبيَّ والأتان يتنبّهان. هو اعتدل فوق ظهرها، وهي مدّتْ رقبتها إلى الأمام.

"خذْ... استعجلْ... الدنيا مطّارة "

حقّاً كانت النقط الأولى قد بدأت تتقاطر، ثمّ راحت تتكاثر، إلى أن غطّت البلدة غلالة من مطر كثيف. والشارع الرئيسـيّ يقفر من المارّة. وحدها سيّارات الشـحن العابرة كانت لا تعبأ بالمطر. وفي البعيد، عند أعلى الجرف، كانت مغارة الصوفيّ تبدو مثل عين عوراء.

يمكنهما الوصول إلى البيت عبر طريقين، واحدٌ يتعرّج بين بيوت الفخّار المسقوفة بألواح الخشب، حيث المزاريب تقصر وتطول لتصبّ فوق الرؤوس. الثاني يختصر المسافة عابراً ساحات البيوت. إذْ لا يوجد هنا سور بيتٍ غير مهدّم. وفي هذا الحيّ العتيق لا أحد يمنع أحداً من المرور، فشريعة الناس هنا ما زالت وسيعة. شرطٌ واحد يرضعونه مع حليب الأمهات. شرط لا ينطق به أحدٌ، إنّما هو ناموسٌ

( عندما ترى امرأة عليكَ أن تغضّ بصركَ )

لكن ...؟

المطر يزخّ، والصبيّ والأتان يبتلان لكنّهما غير مُتعجّلين. خطاً بطيئة سـاهية، وفكرٌ غائص في حلم امتلاك الصقرين.

مثلما في حلمٍ تراءى للصبيّ شبح امرأة. ربّما كانت الأتان هي التي رأتْ أوّلاً ثوب المرأة يغيب، إذْ نفضتْ رأسها، ورغبت في إطلاق نهيقها لولا يدُ الصبيّ التي ربّتتْ على رقبتها بحركةٍ، تعلم هي تمام العلم، أنّها تعني الكفّ عن النّهيق مهما كانت رغبتها جارفة.

... إلى هذه الحظيرة المسـقوفة بالقصب دخلت المرأة، إذا كان ما رأياه ليس وهماً... بحذر بدأت الأتان تنقل حوافرها متكتّمة من أن يصدر لها وقعٌ. والمطر يزخّ بصخب تنقله الريح من هذا الجدار إلى ذاك، ومن هذه البقعة إلى تلك... تخطو نحو تلك النافذة الكبيرة العارية سوى من الصفائح الحجريّة التي ترسم إطاراً خالياً... قطرات المطر الغزير تضرب الجدار ضرباً، ثمّ تسيح مُشكّلةً ساقية تُسرع في الهبوط نحو الطريق خلف الحظيرة... والأتان تُدخل رأسها في النافذة مُطلّة على أكداس التبن، فيشهدان مؤخّرة محمومة الحركة. ثمّ يريان يداً تنـزل البنطال، بينما بقيّة الجسد تغيب خلف التبن. اليد ذاتها تُنـزل السروال، والقدمان تتخلّصان منه بلهوجة كما لو أنّهما لن تدخلا فيه أبداً. ينسحب ثوب المرأة أيضاً، ليلتمع ساقان بيضاوان، يبدوان في اشتباكهما بساقيّ الرجل في هيئة تحرّض الصبيّ والأتان على الانزياح جانباً، كي يتملّكا رؤية أوسع. تنهض ركبتا المرأة، وتبدو قدماها ثابتين على الأرض المُغطّاة بالتبن كما لو أنّهما لن تتزحزحا أبداً. تبدأ مؤخّرة الرجل بالارتفاع والهبوط، فيمتلك الصبيَّ إحساسٌ جديد. إحساس من ركب فرساً في سباق يكاد يفوز فيه. ينتعظ. يميل مُنبطحاً على ظهر أتانه. والشعور الغامض يُلهب كلّ خليّة في جسده، مُكتسباً لحظة بعد لحظة إيقاع هبوط وصعود الرجل فوق المرأة… مؤخّرة الرجل تصطفق بحوض المرأة، التصاقاً ونزوعاً، من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى، بينما جسده هو يحفّ ظهر الأتان، من الخلف إلى الأمام ومن الأمام إلى الخلف. لاهثاً مثلما تتسارع مؤخّرة الرجل. متعمّقاً في خياله مثلما يتعمق الرجل في جسد المرأة. ثمّ … وفي حركةٍ نقضتْ إيقاع الصبيّ؛ قلعت المرأة قدميها من الأرض لتشرعهما في الهواء مثل قصبتي محراث... تسارع الإيقاع. حاول اللحاق. إنما... مرّة أخرى خرّبت الساقان البيضاوان غزْل الصبيّ اللاهث، حين تضامّتا كما لو أنّهما تهصران الرجل.

نبتة قندريس تلمّ أشواكها على نحلة

كان الجسدان قد أخذا هيئةً تنمّ عن قدوم شيء عظيم، حين أطلقت الأتان فجأة نهيقاً يفيض غبطةً، دافعةً عنقها عميقاً داخل الحظيرة، وخطمها يتقلّص عن أسنان تتقارب وتتباعد.

سكت الجسدان وكأنهما لم يكونا قبل لحظة دائبين في الحركة. ومن تحت جسد الرجل ظهر أوّلاً رأس المرأة وعيناها الفزعتان. ثمّ قفز الرجل كاشفاً عن الزهرة وهي تلتمّ ببطء وتنغّصٍ. والصبيّ يستقيم على ظهر أتانه، مبهوراً، مُحدّقاً بعينين بلهاوين. بهدوء أنزلت المرأة ثوبها وانتظرت من الرجل أن يقوم بشيء ما... وأيضاً بهدوء أخرج الرجل رزمة نقود، وقدّمها إلى الصبيّ بيدٍ مرتعشة وعينين وجلتين من أن يفزع ويستدير هارباً. كلّ شيء في الحظيرة صار هادئاً، حتى الحركة الخفيّة القلقة في عيدان التبن التي تحسّ بها الأتان وحدها؛ هدأتْ. ارتاح الرّجل لحظة لابتسامة الصبيّ وهو يتناول النّقود... لكنّ كلّ شيء عاد إلى التّوتر عندما بقي الجميع مُتيبّسين... المرأة واقفة خلف الرجل مُحتمية به... والأتان المُندفعة العنق في جوف الحظيرة العابقة برائحة التبن، ما تزال في عاطفتها التي تجعلها تُقضقض الهواء بأسنانها... والصبيّ ظلّ محتفظاً بابتسامته البلهاء مُحدّقاً بثبات.

" ابن جارنا " همست المرأة في أذن الرجل.

ماذا بعد النقود؟ أهو مجنون؟!

تساءل الرجل وهو يلتقط عين الصبيّ معلّقةً بساعته المُذهّبة، فنـزعها وأهداها للصبيّ بروح التمنّي أن تكون آخر ما يعطيه. لكنّ الصبيّ الذي أغلق الساعة على معصمه، عاد إلى التحديق... ومن خلف الرجل بدا على وجه المرأة ابتهالٌ ضارعٌ، والأتان مستمرة بالعضعضة.

يا إلهي ماذا يريد هذا الصبيّ؟!

" أتريد أن نذهب؟ "

هزّ الصبيّ رأسه موافقاً.

" ألن تُخبر أحداً؟ "

هزّ الصبيّ رأسه.

" لن تقول لأحدٍ…؟ " كرّر الرجل برجاءٍ.

هزّ الصبيّ رأسه.