محمد حاج صالح
رواية: شهادة أتان
اشترى أبوه بكلّ ما يملك أتاناً فتيّة، علم كلّ من في البلدة سريعاً أنّها مخصّصة لنقل الدقيق. فالطاحون لا تبعد إلا بمقدار سماع محرّكها ذي الطقطقة المستمرّة من طلوع الشمس إلى آذان العصر.
فور وصولها نمتْ صحبة بين الأتان والصبيّ. لم تمض أيّامٌ، إلا ورأى كلّ ذي عينين ذاك التعاطف الكبير في عينيّ الأتان متى لمحت الصبيّ. ما إن يقترب منها حتى تحكّ جبينها بصدره، أو تدفع كفلها في بطنه، وهو ببسمته البلهاء يلمّس ما بين أذنيها، ويطبطب على ظهرها، ويتحدّث معها حديثاً هامساً مستغرقاً كلّ كيانه. كثيراً ما فاجأتْهم وهي ترمح بعيداً، ملقية الكيس عن ظهرها، نافضةً حافريها في وجه من يقترب، ليكتشفوا مرّة بعد مرّة أنّ الأتان الحصيفة لا تقبل حملاً إن لم تكن يد الصبيّ قد لمست جسدها، وإنْ لم تره أمامها بهيئته التي تنضح طيبةً، وهو ينظر في عينيها إعلاماً لها بأنّ الأمر عادي وطبيعيّ.
تلك أصبحت وظيفته… يوضع الكيس فوق ظهرها، فيمشي وتمشي هي خلفه، على صورتهما التي لا تتغيّر… هو بحديثه الداخلي، متمايلاً في المشي، كأنّه حمار صغير. وهي تحت حملها بخطواتها المثقلة، على بعد نخْرة نَفس واحد من ظهره. إذا ما تباطأ تباطأتْ. وإذا ما أسـرع أسـرعت. وعند العودة يركب الطريق ذاتها، متقدّماً على أتانه بنـخرة النفس الواحدة.
رآه مدير المدرسة يعتلي أتانه بالمقلوب، قاعداً على كفلها، تاركاً كلّ مسافة ظهرها خلفه، والأتان ترهون مسرورة.
" يا ولدْ! " صاح به.
ولأنّ الصبيّ كالعادة مشغول بداخله، لم يسمع، ولم يلتفت.
" يا ولدْ… هيِيِييِيِِه يا ولدْ! "
ظلّ الأستاذ يصيح إلى أن تبرّع البعض باعتراض الأتان، ليمسكوها من شعرها المجدّل، ولينبّهوا الصبيّ مثلما هي العادة بالصراخ قريباً من عينيه.
" هيِيِيِه… يا حمار... الأستاذ ينادي عليك! "
هم يعرفون إنّه لن يتكلّم، لذا تطوّعوا بالوقوف منتظرين. ينقّلون أبصارهم بين بسمة الصبيّ البلهاء، وبين عرق الاستنفار على جانب رقبة الأستاذ، الذي يبصق الكلمات كما لو كانت حصى.
" لـمَ تركتَ المدرسة يا ولدْ ؟ "
لم تتغيّر ملامح الصبي. ظلّت بسمته تشعّ هَبَلاً وطيبة، وعيناه ترفاّن كأنّه لا يفقه. قالوا
" إنّه لا يتكلّم…أخرس…به بركة "
وتبرّع أحدهم بالقول اللئيم
" لا يتكلّم مع النّاس… لكنّه يتكلّم مع الحمارة! "
… من هنا… من قلب السوق، وبدافع من هذا الحادث ازداد تشبّث الأستاذ بفكرته القائلة: على كلّ صبيّ أن يتعلّم حتى لو سُجن ذووه عقاباً على إهمالهم، وأيضاً لإفهام النّاس أنْ بالعلم وحده تتقدّم الأمم.
أب معوز لا يستطيع التخلّي عن سحر ابنه الذي يجعل الأتان طيّعة.
وأستاذٌ مهووسٌ يرى في نفسه رسول علم.
وصبيّ وصل إلى مراهقته وهو يعيش في ذاته دونما اتصال مع الناس...
المناقشة حامية
حامية جدّاً. يلتقط منها كلمات وإيماءات، توحي من طرف أبيه بأنّه لن يتخلّى عنه من أجل خطوط على دفاتر، ومن طرف الأستاذ توحي بأنه سيعيده إلى المدرسة حتى لو اضطرّ إلى قلع عيني أبيه. والصبيّ يدخل إلى نفسه. ما الذي ستفكّر به الأتان إذا ما أجبروه؟ كيف يكون وطء الفراق عليها؟ ما الذي ستفعله عندما يحاولون وضع كيس فوق ظهرها؟
سلفاً رآها ترفس كلّ من يقترب. سلفاً رأى ساق أبيه المكسورة. وربّما رمحتْ عاصفة غاضبة، لتغيب في البادية. ربّما أوقعتْ نفسها في جبّ. ربّما حسبته ذهب بعيداً، فتركب الإسفلت مُتتبّعة أعمدة الهاتف نحو المدينة حيث الزّحمة والصبـيان الذين، يتذكّر، كيف تلاعبوا به عندما تركه أبوه لدقائق أمام المشـفى. قرصوه في مواضع عدّة، وتغامزوا بكلمـات لم يفهمها. لاعب أحدهم يديه أمام وجهه ثم خطفهما إلى مابين فخذيه، فانحنى هو، ليرتطم أنفه بيد الولد العابث. وإذ أعجبت اللعبة الآخرين راحوا يقلدون، بينما كان هو يستقيم وينحني وسط ضحكهم. لن ينسى تلك الجملة المحفورة في رأسـه عندما تركوه وهم يردّدون
" من أيّ مغارة خرجتَ؟! "
استيقظ للحظات، ليدرك أنّ الأسـتاذ وأباه، اتفقا على عودته إلى المدرسـة، بشرط أنْ يأتي أبوه ليأخذه كلّما كُلّف بطحْنة.
سـيكون افتراقه عن الأتان ليس طويلاً إذن. ومع ذلك أحسّ بغصّة من تأجّلتْ عقوبته. لكنّه امتلأ غبطة، إذْ خطرت على باله فكرة اصطحاب الأتان إلى المدرسة.
في الصبح ضجّت البلدة بالحركة. جرّارات تُشغّل. صهاريج تُملأ. أباريق شاي غلتْ. دجاجٌ استفاق وقوقأ. رائحة خبز فاحت. صوت النّسـاء والأطفال علا. وبقرة الجيران خارت. والصبيّ أيضاً تنشّق رائحة الشاي وأرغفة التنّور الذي تتناوب عليه ابنة الجيران وأمه إذا ما استشعرتْ أنّها قادرة على وجبة عـجين هذا الصباح وخبزه " قبل أن أموت! " كما تقول دائماً، بينما يدمدم أبوه بما يمكن أن يُفهم من ملامح وجهه " موتي .. وخلصينا "
لم يرتكس على سؤال أبيه النّابر، الذي أحسّه كعصا تفتل في الهواء مَقذوفة نحو قفاه، فقد بات يشعر بقوّة فريدة تنبع من الصمت
" لماذا تأخذ الأتان معك؟ أتدرس هي أيضاً؟! "
" لـمَ لا تكون أباً مثل الآباء؟! " قالت الأم بين السعال.
" اخرسي يا امرأة أنت تنفرين حتى الحجر "
... لـماذا يسأل وهو يعلم أنّني لن أجيبه؟
ولـماذا يصرخ عندما يسأل ؟
آخ... لماذا لا يكون أبوه أباً؟ ولماذا لا تكون أمه أمّاً؟!
عند باب المدرسة زفّه الطلاب وهم يصيحون:
يا عامر يا عمارهْ
يا زوج الحمارهْ
خذْ الدف وانقرْ عالطارهْ
يا عامرْ يا عمارهْ
يا زوج الحمارهْ
يخرج من نفسه معبوطاً، ويشعر بأنه في مكان غريب.
ما الذي تفكر به الآن؟
ما الذي تقوله عن عجزه بينما هم يتخاطفون ذيلها ويقرعون على الكتب بين عينيها ؟
على العكس منه كانت الأتـان ترى في الازدحام احتفال ترحيب. وبرزانة وخطو ثقيل اجتازت البوّابة الحديدية المصبّغة بألوان العلم
أسود. أحمر. أبيض. أخضر.
لا بد وأن عيونهم جميعاً معلّقة بي.
... تباطأ وهو يربطها بفرع من فروع شجرة الكينا.
ما الذي يقولونه الآن؟
ألف عين بانتظاره
... ألن يتعثر في خطواته؟
بلمحة خاطفة رأى المعلمين يدارون إجهاشاً بالضحك... والمدير يناديه بإيماءة ملحاحة، وبكلمة تتكرر بين شفتيه. كلمة لا يمكنه سماعها، لكنه يدرك أنها تستحثه... ثمّ... أخيراً يسوقه المدير، ويقرّبه من السارية، بينما أصابعه تنقل الحنوّ عبر تربيتات على لبدة شعره الكثيف
" هذا زميلكم له حق عند الدولة في أنْ يتعلّم... كلّ من يسخر منه يسخر منّي… أمّا حمارته... " نظر في عيني الصبيّ، كأنّه يحشو الكلمات عبرهما عنوةً
" ... سيربطها من الغد خارج سور المدرسة... أليس كذلك؟ " انتظر جواباً لن يأتيه، إذْ كان الصبيّ قد أغلق على نفسه وإنْ كانت عيناه تحدجان المدير بعمق.
" ... أليس كذلك؟! " كرّر نافد الصبر.
لكنّ الصبيّ كان بعيداً على الرغم من أن رأسه ما تزال تحت الكفّ الحنون. ولولا هيئة القوّة التي يلبسها المدير عمداً في مثل هذه المواقف؛ لدمعتْ عيناه إحسـاساً منه بالواجب. فالعِلم والوطن والحزب ثالوث مقدس في رأسه المنشغل دوماً بانتظام الصّفـوف، وإعداد التحيّة الصباحيّة، مؤمنا أنّ انتظام الصبية وعلوّ هتافهم يعطي البلد منعةً وقوّة.
في ظل العَلَم وقف منتصباً، مزهوّاً بقيادته لهذا الحشد من (البراعم) كما يحبّ أن يسمّيهم، ومُفكّراً بالرّسالة الخالدة التي يحملها بكلّ الجدّ، إذْ من الممكن، لو أنّ أحداً ما واتتْه الجرأة وانتقد أفكاره، أنْ يفغر فاه من عجبِ أنْ يبقى أحدٌ في هذا البلد جاهل للحقيقة. ومن الممكن أن يسحق بأسنانه الغضب كأنه سيضرب فوراً.
وكما لو أنّ الطلاب جندٌ يستعدّون للمعركة؛ شـدّ قامته ونفخ إبطيه محدّقاً من فوق رؤوس الصبية إلى الأهداف البعيدة. صرخ
أمـة عربيـة واحدة
عصف هتاف الصبية في الفضاء
ذات رسـالـة خالـدة
أهـدافنـا
عصف الهتاف
وحدة. حريـة. اشـتراكيـة
وفي الحيّ
طار الحمام وتقلّبت رفوفه في السماء، منتظرة تخافت الهتاف، كي تحطّ واحدة واحدة، وفي أجنحتها نفور للفرار من جديد.
فزع الدجاج واندس كما لو أن نسراً ألقى ظلّه. ورفرفتْ أوراق الشجر فوق الأتان كما لو أن ريحاً خفقت.
مع صريف المحّالة، ارتفع العلم مشدوداً بحبلٍ فسـفوريّ أصفر، مترافقاً مع لحن البوق ونهيق الأتان التي أعجبها الاحتفال مُعتقدة أنّ كلّ شيء على ما يرام، وأنّها جديرة هي ورفيقها بالسعادة...
وسط هذا المهرجان الذي سيتكرّر كلّ صباح، كان الصبيّ أصمّ أبكم، يبتسم لصبية يعيشون في داخله يلاعبهم ويلاعبونه، وأتانه تشـهد عبثهم بعيون سعيدة، وعلى محيّاها سرور الأخت الكبيرة... هكذا بحكم الفراغ النّاشئ عن تقدّم من هم أمامه، وبدفع الاحتشاد خلفه، مشى الصبيّ مُرتقياً الدرج، عابراً الممرّ في قلب صخب لا يعيه، فقد كان في بريّة وسط زهور وعشب نامٍ يراقب أرنباً يتقافز، وبين وثبة ووثبة يحدجه الأرنب بنظرة صداقة، وشفته المشقوقة ترتعش منفرجة عن سنّين طويلتين. يثب الأرنب الوثبة التالية، وهو من فوق أتانه يهمّ بالكلام عندما وجد نفسه واقفاً في فسحة مُبلّطة بين اللوح والمقاعد، والصبيان يدورون حوله متصاحين
" يا عامر ياعمارهْ يازوج الحمارهْ "
ومن خلفه يسمع طرقاً، ليدرك عندما ينبثق من باطن نفسه، أنّ المعلّم يطلب من الصبية الأشقياء أن يجلسوا... ثانيةً واحدة ويلفي نفسه وحيداً يتلفّت كمن أضاع شيئاً للتو... ومن يده جرّه المعلم إلى مقعد بجانب صبيّتين، وفي الخلف شبّتْ أصوات.
ألأنّه جاور الصبيّتين؟! ساءل نفسه.
وعاد فوراً إلى داخله راغباً في استكمال الحديث مع الأرنب.