الفصل الأول

7 0 00

الفصل الأول

ليلة من ليالي الرياض

كان الليل قد مد أجنحته الحالكة السواد، وطوى تحتها تلك المدينة التي كانت في ذلك الوقت لم تبعد كثيراً عن حياة القرية إلا ببعض المظاهر اليسيرة؛ كالحركة العمرانية المفاجئة التي تجتاحها على غير نظام، الهدوء يسود جو المدينة. فلا ضوء سوى بصيص نور المصابيح المعلقة في أهم الشوارع والميادين الهامة، أو مصابيح الكهرباء الصادرة من بعض القصور الملكية على قلتها.

كادت الساعة تبلغ الرابعة والنصف وكان الظلام يسيطر تماماً على المدينة. والسكون يحكمها إلا من أصوات الحراس والنواطير ينادي بعضهم بعضا، خوفاً من الغفلة أو النوم، وخيول المتجولين منهم تجوب الشوارع والأزقة وكأنها تركل في الأرض الليل بحوافرها لينزاح فتستريح، ولا يشاركها في تلك الحركة إلا أصوات سواقي النخيل التي تحيط بالمدينة، لأن ماكينات الماء لم تنتشر بعد، ولأن يد التقطيع لم تمتد بعد إلى تلك النخيل. وفي فترات قليلة متقطعة تخالط أصوات تلك السواقي أصوات السيارات القادمة من أنحاء المملكة.

في إحدى السيارات القادمة في تلك الليلة، قدم إلى الرياض شاب مازال في سن الرابعة عشرة من عمره يدعى طارق. جاء ليطلب العلم بها لأنها كانت المصدر الوحيد الذي يمد المملكة بنور العلم والمعرفة ويؤمها الراغبون في العلم من كل مكان.

لم تكد السيارة تقف في البطحاء حتى صاح قائدها بالركاب : انزلوا لرمي حمل السيارة بالأرض.. نزلوا حاملين ما معهم ثم تفرقوا إلا شخصاً واحداً بقي واقفاً أمام السيارة، إنه طارق صاح به قائد السيارة وقال : لماذا لا تذهب؟ إن السيارة لا يبيت فيها ولا عندها أحد من الركاب.. ممنوع...

لم يكن طارق في حاجة إلى التفكير إلى أين يذهب. فقد كان ذلك موضع تفكيره منذ أن ركب تلك السيارة. ولكن إلى أين يذهب؟ إنه لا يعرف أحداً هنا.

فاتجه إلى القائد وقال في صوت قارب الاختناق:

ـ إني لا أعرف أحداً أذهب إليه ولا إلى أين أذهب. فاسمح لي بالمبيت معك وعند طلوع الفجر أذهب. قال السائق وهو يضحك ساخراً : كل الناس لا يعرفون أحداًِ ويدبرون أنفسهم، ومع ذلك فلا بأس من أن تبيت هنا حتى أذان الفجر.

ولما طلع الفجر قام طارق وحمل زوادته الخالية إلا من كويسة من التمر تقارب الرطلين أو أقل. وانطلق هائما على وجهه لا يدري إلى أين يذهب هذا المسكين.

لقد رمى نفسه في مجتمع كان بالنسبة له جديداً مجهولا بعد أن كان يعيش هناك في مجتمع لا يجهل فيه كبيراً ولا صغيراً. هناك في قريته الصغيرة بين أبويه وأسرته، فأفردته الحياة غريباً خالي اليد والجيب، في مدينة يلتفت فيها يمينا وشمالا فلا يرى إلا وجوها ينكرها. يأخذ منه التعب كل مأخذ فلا يجد يداً تمتد لمساعدته.

وبدأ الليل يطوي ستائره مؤذناً بالرحيل وتبعته الشمس تقذف بشباكها في كل مكان لتصطاد بها أفواج الظلام ثم تقذف بها بعيداً.. وبدأ ضياء اليوم الجديد يطبع ضياءه على الشفاه، فتطفح بالبشر وتعلو وجوهها إشراقة السرور فتحيي ذلك الصبح الجديد بابتسامة فيها الرضى.

كل هذا وطارق يسير مطرق الرأس، وكأن سحابة من الشقاء المظلم قد وكلت به تسير معه حيثما سار.. إلى أين يذهب هذا الشاب البائس؟ وإلى متى سيبقى سائراً؟ الدنيا صيف، وهاهي الشمس قد ألهبت بسياطها الكاوية وجه الأرض فأحالته إلى جحيم يهري الأقدام الحافية، الناس يفرون منها إلى بيوتهم، او يتفيؤون السقوف التي تظلل بعض الأزقة وبعضهم يلجأ إلى المساجد ليقضي بها ساعات الهجير.

ومع ذلك فمازال طارق يواصل السير حاملا على رأسه زوادته وهو ينتقل من حارة إلى أخرى، ومن شارع إلى شارع، والعرق يسيل من جسمه غزيراً، كأنما على رأسه فم قربة لا ينتهي ماؤها، حتى إذا ما أجهده التعب توقف تحت سقف من تلك السقوف التي تقام في بعض الأزقة ليتفيأ ظلاله قليلا ثم يستأنف سيره.

أذن الظهر فلم يكن له بد من دخول المسجد للصلاة فلجأ إلى أول مسجد كان فيه حجرتان إحداهما تحت الدرج الجنوبي للمسجد والأخرى تحت الدرج الشمالي. وأمام كل واحدة منهما حوض مصهرج علقت فيه بعض القِرَب.. وكان ظامئاً، لكنه استحيا من المصلين من أن يروا على رأسه تلك الزوادة.. فصعد بها مسرعاً إلى سطح المسجد. وهناك داخل المئذنة وضع زوادته وفتحها وأخرج منها ثمرات معدودة أكلها، ثم نزل وشرب من تلك القرب ثم انطلق إلى بئر قريبة من المسجد أرشده إليها شخص. فتوضأ منها ثم عاد إلى المسجد ليدفن تعبه بعد الصلاة في نوم عميق وهو متكئ على صندوقه داخل المئذنة. وما راعه إلا سقوط المؤذن عليه حينما حانت صلاة العصر وجاء ليؤذن. فعثر في حذاء طارق وكان أعمى فصاح.. ما هذا؟ ألم تجد مكاناً للنوم إلا هنا؟؟ فانتبه طارق مذعوراً وقال : يا أخي إنني غريب مسكين أنهكني التعب، ولا أدري إلى أين أذهب؟ فلجأت إلى هذه المئذنة لأرمي فيها هذه الزوادة حتى أرى من أمري رشداً.. لا بأس من بقائك، فما اسمك؟ قال : طارق. فصعد المئذنة وهو يردد : طارق طارق طارق. وهنا بدأت صور كلها جمال وبهاء تسير منتظمة أمام ذهن طارق. وقد سار مطرق الرأس آخذاً طريقه إلى خارج المسجد ليتوضأ ثم يعود.

لقد تذكر الحياة الهانئة السعيدة التي كان يحياها هناك في القرية على الرغم مما كانوا عليه من ضيق حال. تذكر حينما كان يبادر إلى كتاب والده عند أذان العصر ليذهب به إلى المسجد ثم يقدمه إلى والده بعد الصلاة ليقرأ فيه على المصلين، ثم يأخذه منه ويسير وراءه إلى البيت ليجد أمه في انتظارهما بالعشاء.

وكانت إقامة الصلاة قد حانت فانقطعت عنه تلك الصور وانسجم مع المصلين. وبعد ما انتهت الصلاة أخذه ما يشبه سنة من النوم أفاق منها على صوت عصا الإمام وهو يسحبها على الحصباء.. ورأى الإمام وهو ينهض من مكانه. فانطلق إليه مسرعاً ولما وصله، ومد يده إليه، نظر إليه الإمام وأثر تلك النظرة رد يده مذعوراً وتراجع إلى الوراء ثم انطلق إلى المئذنة ليضع رأسه فوق تلك الزوادة ثم يفرغ عليها كل ما احتقن في عينيه من الدموع.

لقد ظن الإمام والده فأسرع إليه ولكنه سرعان ما اكتشف أنه يحلم وإن كان يقظاناً، فانطلق إلى تلك المئذنة التي هي كل ما يطمئن إليه في تلك المدينة العامرة المملوءة بالحركة والحياة.. وكان معروفاً بين أهله بأنه لا يبكي مهما عظمت عليه الخطوب، ومهما اشتد عليه ضرب والده في صغره. فوجد البكاء يسيطر عليه لأول مرة بعد سن الطفولة فينفجر باكياً ويفرط في البكاء والنحيب حتى انفطرت كبده من البكاء. وصار نفسه يتردد في صورة شهقات مستمرة لا ينتشله منها إلا ذلك الصوت الذي أتى من داخل المسجد ينادي طارق.. طارق.

رفع طارق رأسه وأخذ يمسح دموعه وهم أن يجيب الداعي ولكنه قال في نفسه. من ذا الذي يمكن أن يناديني هنا. إن أحداً لا يعرفني فلابد إذاً من أنه يعني شخصاً غيري شاركني في الاسم. وعاوده البكاء فانفجر قائلا : اسكت، ألا يكفيك ما أنا فيه.. وكان من رحمة ا¤ أن ذلك المنادي لم يسمع صوت طارق. فاستمر ينادي متجها إلى المئذنة. وعندئذ خرج طارق من المئذنة فأبصر شيخا أعمى متجها إليه وفي يده اليمنى العصا وفي اليسرى مفتاح خشبي.. إنه المؤذن. فانطلق إليه وهو يقول : نعم نعم.

وكانت نفس طارق تحدث بهذا الحديث : سأذهب إليه فربما كان في حاجة إليَّ في أمر، لأنه شيخ مكفوف البصر وسأفعل ما في وسعي عسى أن يرحمني به!.

قال الشيخ:

ـ أين أنت يا بني؟ ألم تسمعني؟

قال طارق:

ـ معذرة يا عم فقد كنت غافلا.

قال :

ـ تعال معي يابني..

ووضع المفتاح الخشبي في يده اليمنى مع العصا وأمسك يد طارق باليسرى فوجدها حارة فقال:

ـ يدك حارة فهل كنت نائماً؟ إن النوم بعد صلاة العصر مضر.

قال طارق:

ـ كلا ولكني كنت أفكر.

قال :

ـ تفكر في ماذا؟

قال طارق:

ـ أبداً، لاشيء.

قال الشيخ:

ـ هنا حجرة فيها كتب.

فقفز إلى ذهن طارق أنه سيعطيه إياها ففرح.. ولكن تلك الفرحة تلاشت عندما واصل الشيخ كلامه قائلا : وهذه الكتب متناثرة فيها وسأتعبك معي قليلا في جمعها ووضعها في إحدى الزوايا. وتحدث طارق مع نفسه : إذاً هو يريد مني أن أساعده.. ولكن على كل حال فهو شيخ كبير وأعمى مستحق للمساعدة وأنا ليس لي من شغل سوى الهم والغم. وتلك فرصة أقضي فيها آخر هذا النهار متخلصاً من تلك الهموم التي تكاد أن تقضي عليَّ وحيداً في بلاد ليس لي فيها أهل ولا خليل.. ولكن هذه الحجرة لماذا أقيمت ومن ذا الذي يسكنها.. أليست للغرباء كما في قريتنا؟ إذاً فلماذا لا أسكن واحدة.. ولكن عند من أمرها؟ وهل سيفهم حالي ويمنحنى واحدة؟ سأسأله عندما أبدأ في جمع تلك الكتب التي يقول إنه يريد جمعها.

وكانا قد وصلا إلى الحجرة ففتحها وزفرات حارة تتصاعد من صدره قطعها بقوله : لا إله إلا الله .. الحمد لله على كل حال...

ثم دفع الباب بيده وجلس متهالكا أمامه، وهو يمسح جبينه بيده اليمنى ثم يمرها على وجهه، وهو يكرر ذكر الله والثناء عليه.. وبعد سكتة قصيرة قال لطارق بصوت هادئ : ادخل يا بني واجمع الكتب.

دخل طارق وبدأ في جمع الكتب والشك يتملكه من أمر هذا الشيخ، ونسي ما كان يريد أن يسأله عنه (وهو أمر تلك الحجرة). لكنه وهو يسحب الصندوق إلى أقصى ركن في الغرفة تذكر ذلك، فاتجه إلى الشيخ وسأله : من يسكن هذه الحجرة وعند من أمرها؟ عند ذلك بدأ الاضطراب الشديد يسيطر على الشيخ فقال وهو يضع يده على جبهته:

ـ اذهب يا بني وأت بزوادتك من المئذنة.

ولاحظ طارق ما اعترى الرجل أثر سؤاله فوقف ينظر إليه ويقول في نفسه: أهذا كله سبب سؤالي؟ يا ليتني لم أسأل. إن سؤالي لم تعد له قيمة وإلا فلماذا طلب مني أن آتي بالصندوق والفراش.. ولكن ألا يجوز إنه أراد أن يجعلهما أمانة فيها حتى أجد مكانا وحينئذ تبقى فائدة السؤال.

على كل حال سأذهب لإحضارهما. وأحس الشيخ أن طارقاً مازال واقفاً فكرر عليه الأمر، فذهب وأتى بالزوادة وما كاد يصل حتى فوجئ بمنظر غريب.. لقد رأى الرجل يبكي والدمع يسيل من عينيه فألقى مافي يده وأقبل عليه وقبَّل رأسه وقال: يا عم أرجو ألا أكون قد أزعجتك بسؤالي اسمح لي.

وكانت الصورة الفاجعة قد أخذت من الشيخ كل مأخذ حيث رجعت به إلى تلك الساعة التي جاء ابنه ليخرج له الماء من البئر ليتوضأ للصلاة.. فلما أخرج الدلو وأدلى بيده لأخذها سمع الشيخ صرخة انحدرت الدلو أثرها إلى البِئر. علم الشيخ أنها غلبته فأسرع إليه ولكنه لم يكد يصل حتى سمع البئر ترتجف مما وقع فيها. وبدون شعور أخذ يتخبط باحثاً عن الرشاء ورفع يده إلى الساقية. فاختطفها فأدرجت به فسقط في البئر ولكنه لم يصب بأذى..

وكان يجيد السباحة فأخذ يعوم باحثاً عن ابنه وعبثاً حاول الحصول عليه، لأن الدلو والرشاء قد ذهبا به إلى القعر، ولكنه ظل يعوم ويصيح حتى خارت قواه وأيقن أنه هالك. وكان الناس يأتون إلى الدلو ليتوضأوا منها، فإذا أطل أحدهم ولم ير دلواً ولا رشاء انصرف. فلم ينتبه أحد منهم إلى صوت الشيخ. وكان القائم على أمر البئر يرى الناس يدخلون ويخرجون دون وضوء، فجاء لينظر فلم ير الرشاء فأطل في البئر فرأى الرجل، فصاح: النجدة! ففزع الناس إليه وأخذوا يتصايحون ويبحثون عن حبال ينزلون بها عليه..

وفي هذه الأثناء كان الابن قد مات فطفا على وجه الماء فوقعت عليه يد أبيه فأمسك به وهو يقول : يا رب يا رب، فقويت عزيمته وتجدد أمله في حياة ابنه.. ولو علم المسكين أنه ميت لما نجا من الهلاك..

وكان الرجال قد أحضروا الحبال فانحدر أحدهم إلى البئر، ولما وصل الشيخ وابنه، أخذ الأب وأجلسه على صخرة بالبئر ثم أمسك بالابن وصاح بالرجال «ازعبوا» .. فلما أسلمهم الابن عاد ليخرج الأب. وعرف الرجال أن الابن قد مات.. وكان فيهم عمه فخافوا إن هم أبقوه حتى يخرج والده أن تكون الصدمة قاضية. فأخذه إلى بيته. ولما أخرجوا الأب كان أول كلمة نطقها هي: أين ابني؟ فطمأنوه ونقلوه إلى بيته هو. وكان العم قد سبقه إليه وأخذ يمهد للخبر أمام الأم العجوز.. ولكن صوت الأب المفجوع قطع عليه الطريق. لقد دخل وهو يصيح: أين ابني؟ أين ابني؟ وأفزع الأم ذلك فصاحت به: ماذا بك؟ ولكنه لا يجيبها إلا بهذا السؤال المتواصل: ابني .. أين ابني؟ والتفتت الأم إلى العم ففجعتها دمعة تنحدر من عينه فعلا صراخها واجتاحت البيت عاصفة عنيفة يهيجها الأب بتساؤله المتواصل في حركات وصيحات عصبية، وقف العم فيها موقفاً أحرج من المحرج، كاد فيه أن يفقد أعصابه، لولا أنه استعاد قوته بأن رفع عصاه الغليظة ثم ضرب بها ذلك الصندوق الخشبي ضربة عنيفة وهو يقول بصوت مرتفع: هل جننتما؟ أتتمنيان لابنكما الموت أم ماذا؟ فاتجها إليه بنظرات كلها أمل ورجاء وكأنه يملك من ذلك الأمر شيئاً.

ومرت فترة قصيرة ساد البيت فيها صمت لم يبدده إلا صوت العم وهو يقول موجها الكلام إلى الأم: لقد وجدناهما في البئر.. ابنك وأخي.. سيحكي لك أخي كيف وقعا أما أنا فسأذهب وهنا صرخت الأم: «أين ابني؟». قال وهو يعتمد على العصا مستعينا بها على القيام.. «يبدو أنه لم يستطع المقاومة كأبيه فغرق» .. وعادت الصرخات تملأ البيت وكان العم قد استوى قائماً فانطلق إلى الباب مهرولا وهو يقول:

ـ الرحمة والعزاء يا رب!

فوجئ طارق بالشيخ يسقط على الأرض مغمى عليه فأسرع إلى القِرْبَة وأتى بالماء البارد وبدأ ينضح على وجهه منه حتى أفاق وهو يقول:

ـ أريد أن أتوضأ.

فأسرع طارق بملء الإناء ثم أتى به فأخذ الشيخ يتوضأ منه وهو يردد هذا القول.. «اللهم إنك تعلم أنه لو لم يكن هذا الوقت وقت نهي لصليت لك ركعتين عسى أن تخفف عني فارحمني يا رب» .. ثم دفع مفتاح الحجرة إلى طارق، وهو يقول:

ـ كان ابني يجلس بهذه الحجرة للمذاكرة، وبعد وفاته لم أستطع دخولها، فعزمت على ألا تفتح مادمت حيا.. غير أن حاجتك إليها جعلتني أعدل عن ذلك.

ثم حكى له قصة وفاة ابنه وهما في الطريق إلى بيته.

وهنا انكشف لطارق سر تلك الكآبة التي كان يراها مخيِّمة على وجه ذلك الشيخ والتي ذهب تفكيره فيها كل مذهب.

وفي زقاق ضيق، وأمام باب قديم صنع من جذوع النخل توقف الشيخ، ثم طرق ذلك الباب طرقة واحدة فتح إثرها فدخل وأمر طارقاً بالدخول وأومأ له على حجرة عن يمين الداخل وهي مكان جلوس الضيوف، وكانت حجرة متواضعة ليس بها من فرش سوى حصيرين صنعا من خوص النخل يبدو عليهما أثر القدم وطول المكث، وبها وجار فيه نار وضع بالقرب منها إبريق الشاي ودلة القهوة وعلى حافته وضع وعاء كبير مملوء بالتمر ووعاء آخر بجانبه، وفيه أكواب الشاي والقهوة. ولم يكن هذا المنظر بالغريب على طارق فقد كان يشاهده كثيراً في قريته فجلس بعد دخوله في إحدى الزوايا وبعد غيبة قصيرة غابها الشيخ داخل البيت جاء وقال:

ـ يا بني إنك صاحب المكان فقم وصب لنا القهوة..

وأثناء أكلهما من التمر وشربهما القهوة أبصر طارق عجوزاً شمطاء تتقدم إلى الباب بحركة سريعة وتضع أمامه زنبيل ثم ترجع بسرعة.. فتنحنح الشيخ لتعلم أنه علم بذلك..

وبعد جلسة قصيرة ـ بعدما فرغا من القهوة والشاي ـ استأذن طارق في الانصراف، وقام متجها إلى الباب، فسبقه الشيخ وأخذ يسحب رجله بعد ما خرج من الحجرة حتى لمست الزبيل فرفعه واتجه إلى طارق قائلا:

ـ هذه بعض الآنية الضرورية استعملها عارية حتى يغنيك الله عنها.

ومدها إليه.. وتردد طارق في القبول دون أن يتكلم. وأحس الشيخ بذلك فقال:

ـ يا بني إن في ودي أن أساعدك بأكثر من هذا ولكن هذا هو مقدوري فلا ترد لي قولا..

فأخذ طارق الزنبيل ونظره يكاد يحفر الأرض خجلا، وخرج وكلمات الشكر تخرج من فمه في تمتمة من الحياء. ووصل إلى منزله الجديد (حجرة المسجد) دون أن ينظر إلى ما في ذلك الزنبيل. ولما فتح الغرفة ودخل أغلق الباب من ورائه وأخذ يفتش في تلك الآنية فوجد إبريقاً وكوبين للشاي وقِدراً. ففتح الإبريق فوجد فيه خرقة وضع في أحد أطرافها قليلا من السكر وفي الآخر قليلا من الشاي. ورفع غطاء القدر فوجد ملعقة تحتها خرقة، فرفعها فوجد تحتها أربعة أقراص وضع بينها قطعتان من اللحم. فكاد يطير من الفرح لأنه لم يذق غير التمر منذ فارق أهله، فأكل البعض ورفع البعض للغد ثم خرج من حجرته لصلاة المغرب وكأنه يملك الدنيا كلها داخل تلك الغرفة.

(يتبع)

(بقية الفصل الأول)

مضت أيام وأيام باع فيها طارق زوادته وأكل ثمنها وعاد بعد ذلك خالي الوفاض من كل شيء إلا من تلك الآنية التي أعاره إياها المؤذن..

مرت أيام عجاف وطارق فيها لا يقتات إلا من تلك التمرات التي زودته بها أمه يوم سفره وليتها كانت كثيرة إذن لخففت على المسكين آلام الجوع، ولكن المسكين فجع بانتهائها بعد أن كان يأكل منها كل يوم ثلاث وجبات كل وجبة ثلاثة تمرات...

مضت ثلاثة أيام لم يذق فيها طارق طعم الأكل، ولم يجد فيها ما يرميه في فمه سوى الماء.. وكان في إمكانه أن يطرق باباً من تلك الأبواب الكبيرة حيث يتيسر فضل الطعام. وما أكثر تلك الأبواب لو أراد، ولكنه كان يرى أن في ذلك جرحا لكرامته وإهانة لشرفه.. ولكم نازعته نفسه وأرادته على أن يضع حداً لألم الجوع عن طريق التسول ولكنه كان يغلبها..

وفي مساء اليوم الثالث من تلك الأيام التي لم يذق فيها شيئاً تغلبت عليه نفسه فقام بعد صلاة العشاء وتقدم من طرف الصف إلى حيث يكون الإمام وهو عازم من شدة الخجل على ألا يتكلم بل يكتفي بالوقوف أمامهم.. وكان يسير في بطء وكأنه صورة لشبح يسير وسط الظلام.. فقد خارت قواه بسبب الجوع المتواصل وذهب كل معنى للحياة في وجهه.. وبينما هو يستعد لاستقبال المصلين إذا بنار تشتعل في جسمه وأحس وكأن جهنم قد فتحت أبوابها عليه وأخذت تصب حميمها عليه غزيرا.. فانطلق مسرعا إلى باب المسجد وكأن وراءه عدواً يريد القبض عليه، فخرج من المسجد إلى الشارع ريثما يخرج الناس منه فيعود إليه فينام فيه..

وصلى طارق صلاة الصبح مع المصلين وكان اليوم يوم جمعة لا يجلس فيه الشيوخ للدرس. فانصرف كعادته يوم كل جمعة إلى تلاوة القرآن. لكنه لم يبق في مكانه من الصف كما هي عادته في مثل هذا اليوم بل انتقل إلى شرقي المسجد لأنه أكثر برودة. ولم يكد يستقر في مجلسه ويبدأ في القراءة حتى رأى ذلك الشيخ الطاعن في السن والذي كان يستمع إليه كل يوم وهو يقرأ القرآن يدنو منه ويقول:

ـ يا بني هذا ريال قد سقط منك وأنت تصلي ووجدته فخذه.

ونظر طارق إلى الريال الفضي وهو في يد الشيخ أبيض ناصع مستدير، فتراقصت نظراته وعصفت به نفسه قائلة: «خذه إنك في أمس الحاجة إليه، لأنك لم تذق شيئا منذ ثلاثة أيام وهذا هو اليوم الرابع ولاشيء عندك فأنت أولى به من صاحبه». وامتدت يده لأخذ الريال ولكنها لم تكد تلامسه بأطراف أصابعها المرتعشة حتى جذبها بسرعة وقال وهو يزحف مبتعداً عنه: «لا .. لا لن آخذه إنه ليس لي .. أبعد هذا الشيطان عني». وأعاد الشيخ الريال إلى جيبه وهو يحدث نفسه بهذا الحديث لماذا سمى الريال شيطاناً؟ ولماذا علته هذه الرعشة وابتعد عني كأن في نفسه خيفة مني. على أي حال سأستمر في خطتي حتى أختبره .. وكان هذا الشيخ من الأثرياء. وكان من أشد الناس تديناً وقد بلغ الخامسة والسبعين من عمره.

لم يستطع طارق الاستمرار في القراءة فوضع رأسه بين يديه وغرق فيما يشبه الذهول، يحاول أن يفكر فلا يجد سبيلا إلى التفكير. لكن الأمر لم يطل به على هذه الحال. فقد انتشله منها صوت عصا الشيخ وهو يسحبها على الحصى لينهض عليها، فرفع رأسه وتابع الشيخ ببصره حتى خرج من المسجد ثم قام واتجه إلى تلك الحجرة التي هي أشبه شيء بوجار الضب ففتحها، ودخل ثم خرج منها وفي يده كوب شاي فارغ، ثم أغلق الحجرة وخرج من المسجد. وبينما هو يسير، والكوب الفارغ في يده اليسرى إذا بالشيخ الذي كان معه في المسجد يمسك فجأة بيده .. فرفع رأسه مذعوراً وزاد ذعره أن عرف أنه صاحبه الشيخ، وأراد أن ينهره بعنف ويسأله ماذا يريد منه، لكن الشيخ لم يترك له فرصة الكلام بل فاجأه بقوله: يا بني إنني شيخ كبير، ومع ذلك فقد أعجبتني بل سحرتني هذه الفتاة بجمالها فهل أنا صادق؟! .. انظر إليها! .. وكانت الفتاة منهمكة في تنظيف بيتها والباب مفتوح. فاستجمع طارق ما ترك فيه الجوع من بقية من القوة ونفض يده من يد الشيخ وقال: «لماذا تغريني بالسوء؟! دعني وشأني إنني مسكين!».

وانطلق وهو يحدث نفسه لماذا ترك الباب مفتوحا؟ ولماذا لم تكترث الفتاة بوقوف هذا الشيخ الشرير أمامه؟ أيعقل أن يكون من أهله؟ فلماذا يغري الناس الأجانب بها إلا أن يكون مجنوناً؟؟

ولم يكن الشيخ مجنوناً بل إنه من أعقل الناس وأكثرهم ديناً، وهو شيخ كبير قد بلغ الخامسة والسبعين من عمره.

لندع الشيخ واقفاً أمام الباب معتمداً على تلك العصا الغليظة الحمراء يلوح بياض لحيته ورأسه من تحت عمامته وكأنه يفاخر به تلك الخيوط الفضية التي أرسلتها الشمس مؤذنة بقدوم يوم جديد. ولنتبع طارقاً في طريقه المجهول، وفي يده كوب الشاي الفارغ، لننظر ما شأن ذلك الكوب؟ هناك فوال على رأس الطريق. وطارق قد وقف أمام دكانه. مسكين طارق، لقد أضرَّ به الجوع. فهل تراه يريد أن يبيع على الفوال ذلك الكوب؟

قال طارق:

ـ يا أخي أريد خبزة واحدة لكن ليس معي قروش، فهل تتكرم بإبقاء هذا الكوب رهناً في قيمتها.

قال الفوال:

ـ أهذا معقول؟ ماذا أصنع به .. إن عندي ما يكفيني من الأكواب.

قال طارق:

ـ أنا لا أريد بيعه فأنا لا أملكه.

قال الفوال :

ـ لا تملك حتى كوب الشاي؟ فمن أين أتيت به عارية؟

(قالها وهو يضحك)

وأحس طارق بالألم يعتصر قلبه من سخرية الرجل به ولكنه تحامل على نفسه وقال:

ـ أنا لم آت إليك لتسخر مني وإنما أتيت لتبيعني قرصا من العيش تأخذ هذا الكوب رهينة في ثمنه.

قال الفوال:

ـ أنا لا آخذ رهائن ولكن خذه وأتني بقيمته غداً.

قال طارق:

ـ لا أستطيع لأني لا أملك شيئاً.

قال الفوال:

ـ خذه إذن صدقة. قال:

ـ لا، ولكن آخذه وآتي بقيمته متى ما يسرها الله.

وأومأ الفوال برأسه كدليل على الموافقة، وعند ذلك طوى طارق الخبزة وأدخلها في جيبه ثم انطلق إلى تلك الحجرة الخاوية في جانب المسجد فأخذ منها إناءً صب فيه ماءً بارداً من إحدى قرب المسجد، ثم جلس في حجرته وأخرج القرص من جيبه، وبدأ يقطع منه ويغمس في الماء ثم يأكل. غير أنه لم يكد يأكل لقمتين حتى فوجئ بشاب يقف في الباب مستأذنا بالسلام. ولم يملك طارق إلا الإذن له والترحيب به. غير أنه لم يتمكن من إخفاء الماء والخبزة فقال له الشاب:

ـ لماذا تأكلها على الماء؟ هلا عملت لك شايا على الأقل؟!

فلم يجد طارق عذراً غير الكسل وعدم وجود الحطب فبادره الشاب قائلا:

ـ أرجو أن تتكرم بقبول دعوتي لنذهب ونفطر في البيت معاً.

وبالطبع لم يوافق طارق في أول الأمر، ولكن الشاب ألح عليه ولم يدعه حتى رافقه إلى بيتهم. غير أن طارقاً اندهش حينما رأى الشاب يتوقف أمام البيت الذي كان الشيخ واقفاً أمامه، ينظر إلى الفتاة وتوقع أمراً، وحدّث نفسه بالهرب ولكن كانت يد الشاب ممسكة بيده. فدخل ـ وهو مرتبك ـ لا يدري ماذا يصنع وماذا سيكون؟

أشار الشاب لطارق على باب الديوانية، فدخل فيها، ولم يكد يتخذ مجلسه منها حتى سمع صوت شيخ يتنحنح فتذكر الشيخ الذي آذاه هذا الصباح. فتململ وأصغى لسماعها ثانية ولكنه فوجئ بدخول الرجل فنهض لاستقباله لكنه لم يكد يتقدم إليه بضع خطوات حتى تبين أنه صاحبه الشيخ فذعر وبقي واقفاً مكانه فسلم عليه الشيخ فلم يرد، غير أن الشيخ لم يستغرب ذلك فألقى عصاه وجلس. وأسرع طارق إلى الباب يريد الخروج لكن الشاب حال بينه وبين ذلك حينما أقبل. وفي إحدى يديه إناء فيه تمر، وفي الأخرى إناء آخر فيه ماء. ثم وضع التمر والماء وطلب منه أن يأكل لكنه أخذ ينظر إليه تارة وإلى الشيخ أخرى وهو يحدث نفسه: لماذا ساقني الله إلى هذا البيت بالذات؟! ولماذا وافقت على المجيء؟!، بل لماذا أتى هو إلى هنا؟! إني خائف. ولكن لماذا أخاف إنني لم أوذ أحداً إطلاقاً فلم أخاف؟

ومد يده إلى التمر وعينه لا تزال عالقة بالشيخ، فارتجفت واصطدمت بالإناء فمال وسقط منه بعض التمر فلم ينتبه لذلك. فقد كان غارقاً في تفكير هو فيه كالغريق. لماذا لا أسأل الشاب عن أمر هذا الشيخ ولكن كيف وهو بجانبه؟؟ وأخيراً اتجه إلى الشاب قائلاً (بالأرقام الأبجدية) من هذا الشيخ؟

ـ لماذا تكلمني بالأرقام؟ كلمني بالعربي.

فالتفت الشيخ إلى الشاب وقال:

ـ أنت ثور لا تفهم.

ثم وجه الكلام لطارق:

ـ أنا أبوه يا بني .. كأنك في شك من أمري .. أو كأنك خائف مني .. اطمئن فسأشرح لك كل شيء. إنني شيخ كبير كما ترى وعندي خمس من البنات، كنت أمنِّي نفسي بأن أعلمهن. فشغلتني عن ذلك الحياة. ثم علقت الأمل على ابني (وأشار إلى الشاب). غير أن أعمال التجارة قد ملكت جميع أوقاتنا، فأخذت أبحث عن شاب أَكِلُ إليه ذلك، فما اطمأنت نفسي إلا إليك. فأردت أن أختبرك زيادة على ما شاهدته منك من ثبات وقوة في الأخلاق والدين، ففعلت ما فعلته معك هذا الصباح. فهل تقبل يا بني أن تكون معلماً لهن؟!!

(انتهى الفصل الأول، ويليه: الفصل الثاني)