الفصل الأول

4 0 00

الفصل الأول

طفقتِ الطائرة القادمة من دمشق والتابعة للخطوط الجوية السورية، تحلق فوق مطار دبي الدولي وتستعد للهبوط، فيما كان رشيد منهمكًا في قراءة مقال حول تقرير أعدّه

عالم فضاء أمريكي تحدّث فيه عن حتمية انهيار الحضارة الحديثة، ورجوعها إلى ما قبل القرون الوسطى...

بدر في ذهنه الحديثُ الذي يُتداول في الأوساط العلمية، وتتناقله ألسنة الناس حول التوافق العجيب بين النبوءات القديمة، والتقارير العلمية الحديثة التي تشير

إلى نهاية العالم في عام 2012، استنادا إلى حسابات فلكية، وعمليات رياضية...

... قطع عليه تفكيره صوت المضيفة:

"سيداتي وسادتي.. الرّجاء الرّجوع إلى المقاعد وربط الأحزمة. ستشرع الطائرة في الهبوط بعد قليل...

درجة الحرارة الخارجية 38 درجة مئوية.. والساعة فيها تشير إلى العاشرة ليلا بالتوقيت المحلي"...

اعترت رشيدًا الدّهشة حين تراءت له معالم المدينة من نافذة الطائرة، وشاهد أنوارها المتلألئة، وأضواءها الزاهرة المنبعثة من مبانيها الشاهقة، التي كانت ألوانها

البهية تتعانق في سمائها، لترسم لوحة فنية رائعة الجمال، تخلب الأبصار برونقها، وتأخذ بمجامع القلوب بسحرها...

فلا غرو في ذلك إذ تزينت عروس الخليج وأخذت "دبي" زخرفها، فتلألأت أضواؤها.. وازدحمت بالطائرات سماؤها.. وبالمركبات طرقها وشوارعها.. وامتلأت بالسفن والمراكب

مياهها.. فصارت قبلة لرجال الأعمال، ومركزًا لصفوة التجار، وسوقا رائجا يجذب المستثمرين من كل مكان...

• • • • •

ولدى وصوله إلى غرفته في الفندق رمى رشيد بجسده المنهك، وبرأسه المثقل بالمشاغل والهموم على السّرير، لينالَ قسطًا من الراحة...

فما برحَ أن راح يغطُّ في سباتٍ عميقٍ، فالسَّفر قطعة من العذاب مهما كانت وسائله، ومهما كانت أسبابه وطرقه!!

رأى في منامه أنّه يسير بين حدائق غنّاء، ومروج خضراء، وأشجار كثيفة، وأنهار جارية، ومبان شاهقة...

جعل يحدث نفسه: "سبحان الذي بعث الحياة في هذه الصحراء!! فكأني بها وهي أرض جرداء، لا حياة فيها ولا ماء!!"...

لم يلبث أن أخذ منه التعب كل مأخذ؛ فأنهكه المسير.. وأضناه السهر.. وأرهقه طول الطريق وبعد الشّقة، حيث كان يواصل الليل بالنهار في سعيه الحثيث ميممًا وجهه

شطر البيت العتيق مشيًا على الأقدام بعدما تخلّف عن القافلة جراءَ مرض ألمّ بفرسه، ومن ثم نفوقه وهلاكه في الطريق.

عاد بفكره قليلا إلى الخلف فتذكّر متحسرًا ما دارَ بينه وبين الشيخ رضوان أمير القافلة:

• هيا اركب معنا يا رشيد، واترك حصانك هنا، فلا أظن أنه سيقوم من مرضه هذا! ألا ترى أن المرض قد اشتد به؟

• كيف أتركه هنا وحده يا شيخنا؟، وهو على حالته هذه!

• إنك تعلم أنه ليس في مقدورنا الانتظار طويلا يا رشيد، فالوقت ليس في صالحنا!

• امضوا في طريقكم على بركة الله، وسألحق بكم إن شاء الله!

• لا ينبغي لنا أن نتركك وحدك في هذا المكان الخالي؟؟!

• لا تقلق علىّ يا شيخنا، سأبقى لتمريض فرسي، وسأكون على إثركم حالما يتعافي، فالحمد لله أعرف الطريق جيدا.

• • • • •

كلّ الطّرق تؤدي إلى مكة المكرمة!! وكلّ المؤشرات تدلّ على قرب الوصول!! وكما قيل: "أن تصل متأخرًا خير من أن لا تصل".. فقد كان كلّ شبر يقطعه رشيد يرفع منسوب

الشّوق في فؤاده، ويبعث بالحنين في مهجته، ومع كلّ نسمة تهبُّ من قبل الأرض المباركة، يزداد الوجد في وجدانه انبعاثا، فيصرف ذهنه عن عناء المشقة، وبعد الشُّقة،

وكانت الأشواق المتأججة في مهجته تؤنسه في وحدته، وتسليه عن وحشة الطريق، وقلة الرّفيق...

وما أن بدأت معالم مكة المكرمة تتراءى في الأفق حتى أخذ قلبه يتقافز في صدره فرحًا وسرورًا، فأحسّ بالسّعادة تدبّ في فؤاده، وبالسرور يسري في كيانه...

فأخذ يردد مغتبطا: "الحمد لله أخيرًا قد وصلتُ!".

مكث غير بعيد ينظر في دهشة إلى مبانيها السّامقة! وعماراتها الباسقة!! وأبراجها الشاهقة!! وأنفاقها الكثيرة...

بيد أنه لم يلبث أن هاجمته الخواطر، وداهمته الهواجس، وتزاحمت في ذهنه الذكريات، فأخذ يفرك عينيه، ويتساءل في قرارة نفسه: "سبحان الله! ما هذا؟! لقد تغيرت معالم

مكة كثيرا! فاندرست آثارها.. وتبدّل رسمها.

... فأين جبالها؟! وأين تلالها؟! وأين هضابها؟!

وبينما هو على تلك الحال إذ برجل من أهل مكة المكرمة يقطع عليه حبل أفكاره، ويبتدره بالسؤال:

• أتبحث عن شيء هنا يا أخي؟

• لا.. لا أبدا! فقط كنت أتأمل فيما وصلت إليه مكة المكرمة؟

• لقد تغيرت كثيرًا! أليس كذلك؟

• بلى!

• على كل حال.. اسمي عبد الرحمن التميمي. فما هو اسمك؟

• اسمي رشيد الشامي.

• ومن أي البلاد أنت؟ فتبدو عليك علامات التعب وآثار السفر!!

• من مدينة دمشق.

قال عبد الرّحمن مندهشًا:

• حقا هذا أمر عجيب! فما الذي جاء بك إلى هنا في مثل هذا الوقت العصيب؟! ففي الوقت الذي ينطلق الناس فيه إلى الشام، أنت تخرج منها!!

• لقد جئت من ناحية الشام لألتحق بالمهدي.

• لقد تأخرت يا أخي، فالمهدي قد غادر مكة!

• ماذا تقول؟! غادر مكة وإلى أين؟؟!

• لقد توجه إلى الشام هو وأتباعه.

أُسقطَ في يد رشيد وألجمتِ المفاجأة فاه فوضع يده على رأسه، ولاذ بالصمت.

ثم استدرك نفسه وقال متحسرًا:

• لا حول ولا قوة إلا بالله، فما جئت إلا لأبايعه وأنضم لجنده.

• قدر الله وما شاء فعل يا أخي!

هز رأيه بأسى وقال:

• صدقت قدر الله وما شاء فعل، ولكن هل لك أن تخبرني: ما فعل الناس معه؟ فأنا في شوقٍ لمعرفة أخباره، وكلّ أحواله.

• لقد بايعه أهل العلم بين الرّكن والمقام، في بيت الله الحرام وهو كاره، بعدما أصلحه الله في ليلة.

• ولماذا بايعوه رغمًا عنه؟

• لأنّه كان زاهدًا في الزّعامة، مشفقًا على نفسه من تبعاتها! وهو يرى تكالب الناس عليها.

• وما الذي تعنيه بقولك: أصلحه الله في ليلة؟! ألم يكن رجلا صالحا قبل ذلك؟!

• قصدت بذلك: أنّ الله ألهمه قيادة المسلمين، ونفث في روعه أنّه هو المهدي الذي بشّر به الصادق الأمين!

• وهل بايعه كثير من الناس؟

• نعم! فقد توافد عليه خلق كثير، وأتوه من كل حدب وصوب فبايعوه: فقد بايعه أبدال الشام وصالحوها.. وعصائب أهل العراق ومؤمنوها.. ونجائب أهل مصر وموحدوها، وقدم

عليه أصحاب الرّايات السُّود من قبل خرسان لمؤازرته ونصرته، كما انضم الجميع إلى جيشه، وانضووا تحت لوائه.

• لقد اتّبعه خلق كثير، أليس كذلك؟

• بلى يا أخي! لقد وصل عددهم زهاء اثني عشر ألف رجل...

تنهد رشيد بعمق وقال بلوعة:

• ليتني كنت معهم!

سكت رشيد لحظة، قبل أن يستأنف كلامه بأسى:

• وماذا فعل الله بالجيش الذي جاء من قبل الشام للقضاء عليه؟

• لقد تجمّعوا في المدينة المنورة وخرجوا منها إلى مكة المكرمة للقضاء عليه. فخيب الله سعيهم، وخسف بأولهم وآخرهم الأرض بالبيداء التي بين مكة والمدينة، فبلعتهم

الأرض، فهم يتجلجلون في باطنها إلى يوم القيامة، فهلكوا جميعا، ولم يبق منهم إلا رجل واحد، كان شريدا فنجا، وهو الذي أخبر عنهم وعمّا جرى لهم من أهوال!

• لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ترقرقت عينا رشيد بالدمع، وخنقته العبرة. سكت قليلا، ثم استأنف كلامه قائلا:

• أتعلم يا عبد الرحمن، أنّ هذه تعدُّ أقوى العلامات على أنّه هو المهدي؟!

• بلى أعلم ذلك! فلا عذر لأحد بعدها بالنّكوص عن اتّباعه، أو التخلف عن نصرته.

تنهد رشيد بعمق وقال بأسى:

• وهل كل الذين خسف الله بهم الأرض كانوا يعلمون أنّه المهدي؟!

• الله أعلم يا أخي! فلعل بعضهم لم يكن يعلم شيئا، أو ربما كان مجبورا، أو قد يكون متواجدا في عين المكان مصادفة، فكما تعلم أنّ الطريق تجمع بين الصالح والطالح،

والقاصي والداني، فالله أعلم بالنيات وما تكنّه الصّدور، سوى أن أولئك سيصدرون يوم القيامة مصادر شتّى، فيُبعث كل واحد منهم على نيته، ويُحاسب بما انطوى عليه

صدره.

• وهل اتعظ الناس بتلك الآية المرعبة والعقوبة القاسية؟

• كلاّ! فالإنسان جُبل على العناد، وإتباع الهوى، فمن ليس في نفسه واعظ فلا تنفعه المواعظ. فلقد ناصبه أهل الجزيرة العربية العداء على الرغم من ذلك، فألَّبوا

الناس على قتاله، وسعوا في قتله، حتى انبعث شقي من أشقياء قريش، كانت أمّه من بني كلب، فحشد جيشا كبيرا للقضاء عليه.

غير أن الله نصره عليهم، وأمكنه منهم، فغنم المهدي ومن معه منهم غنائم جمة. وفتح الله على يديه الجزيرة العربية مرة أخرى، وبذلك أخمد نار الفتنة.

• ولكن، لماذا ترك المهدي أحب بلاد الله إلى الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وتوجه إلى الشام؟!

• لأن الشام أرض مباركة أيضا وقد اختارها الله لتكون أرض المحشر وأرض المنشر، ولذا نصحنا رسولنا الكريم باللواذ بها، والسير إليها في آخر الزمان، عندما تدلهم

الخطوب، وتقع الفتن.

• صدقت!

• وما الذي تنوي فعله الآن يا رشيد؟

• سأرجع إلى الشام طبعا!

• إذن سأرافقك فقد كنت أنوي الذهاب إليها، وقد أعددت نفسي للالتحاق بجيش المهدي، فهل لي أن أصحبك؟

• ولماذا لم تذهب معه؟

• لم يخلفني عن الذهاب معه إلا دين كان علي، وقد وفقني الله لقضائه! وأنا مستعد لمرافقتك الآن.

• بكلّ سرور يا أخي! فأنا أيضا بحاجة لرفيقٍ مثلك يؤنسني في السّفر، ولكني أريد أن أشتري فرسًا لأعود به، فهل لك أن تساعدني في ذلك؟

• بالطبع ولكن ليس قبل أن تذهب معي إلى بيتي لتستريح قليلا، ومن ثم سأدلك على السوق.