مقدمة

6 0 00

سجين زندا

الفصل الاول

في صباح يوم مشمس, كنت أتناول الإفطار في غرفة الطعام في منزل أخي وأفكر فيما سأفعله ذلك الأسبوع عندما دخلت الحجرة زوجة أخي, روز. قالت روز, "رودولف, أنت الآن تبلغ من العمر تسع وعشرون عاما, ألا تنوي أبدا أن تفعل شيئا مفيدا؟" فأجبتُ وأنا أضع ملعقة البيض على المنضدة, " لماذا ينبغي عليّ أن أفعل أي شيئ يا روز؟ أنا أمتلك من المال تقريبا ما يكفي لعمل أي شيئ أريده (بالطبع لا أحد يمتلك مطلقا مالا كافيا لعمل ذلك), كما أنني أتمتع بمركز مرموق في المجتمع, فأخي هو اللورد بيرلسدون وأنت كونتيسة."

فقالت روز, "ولكنك لم تفعل أي شيئ عدا ......" قاطعتها قائلا, "عدا أن أكون كسولا؟ هذا حقيقي. فأنا أحد أعضاء عائلة راسيندل وعائلتنا ليست بحاجة إلى القيام بعمل أي شيئ." هذا الكلام أغضب روز حيث أن عائلتها كانت غنية ولكنها لم تكن عائلة مرموقة كعائلة راسيندل. في هذه اللحظة, دخل إلى الحجرة أخي اللورد بيرلسدون (الذي كان يسعدنا أن نناديه ببساطة باسم روبرت), فصاحت روز, "روبرت, أنا سعيدة للغاية بعودتك." فسألها روبرت, "ما الأمر يا عزيزتي؟" فشرحتُ الأمر لأخي قائلا, "إنها غاضبة لأنها تعتقد أنني لا أقوم بعمل أي شيئ."

عند هذه النقطة, يجب أن أشرح أنني لم أكن كسولا طوال حياتي, فأنا درستُ على نحوٍ جاد وتعلمت الكثير عندما كنت في مدرسة ألمانية وجامعة ألمانية. وتحدثتُ الألمانية بالإضافة إلى الإنجليزية, وكذلك تعلمتُ كيف أتحدث الفرنسية والإيطالية والأسبانية. وكنت ماهرا في التصويب بالمسدس وكنت مبارزا قويا بالسيف, كما أنني كنت بارعا جدا في ركوب الخيل.

قالت روز, "إن شعرك الأحمر ليس هو فقط ما يجعلك مختلفا عن أخيك, فهو يدرك أيضا أن مركزه في المجتمع له مسئوليات. أما أنت فترى في مركزك الإجتماعي الفرص فقط." فقلت لها مفسّرا, "بالنسبة لرجل مثلي, الفرص تعتبر مسئوليات." فقالت روز, "هذا جيد, لأن عندي بعض الأخبار لك. أبلغني السيد جاكوب بوروديل أنه سيعرض عليك فرصة حقيقية. فهو سيصبح سفيرا في خلال ستة أشهر, وهو يقول أنه يسعده أن تعمل معه. أتمنى أن تحصل على هذه الوظيفة يا رودولف."

زوجة أخي لها أسلوب تطلب به من الآخرين عمل الأشياء من المستحيل رفضه. علاوة على ذلك, كان في اعتقادي أن هذه الوظيفة مثيرة للاهتمام للغاية, لذلك قلت, "إذا كنتُ في خلال ستة أشهر في وضع يجعلني أحصل على هذه الوظيفة, فأنا بالتأكيد سأقبلها." فقالت روز, "إنه شيئ رائع منك يا رودولف." فسألتها قائلا, "وأين سيعمل؟" فقالت, "السيد جاكوب لا يعرف في أي دولة سيكون العمل, ولكنه متأكد أنها ستكون سفارة جيدة." فقلت, "سوف أحصل على هذه الوظيفة لأجل خاطركِ أنتِ حتى ولو كانت سفارة في غاية السوء."

الآن قطعتُ وعدا على نفسي أمام روز, ولكن كان هناك ستة أشهر للانطلاق قبل أن أبدأ الوظيفة. وبدأت أفكر فيما يمكن أن أفعله في هذه المدة. قررتُ أن أزور روريتانيا, وهي دولة صغيرة في وسط أوروبا. عائلتي كانت دائما مهتمة بهذه الدولة لأنه في عام 1733 تزوجت الكونتيسة أميليا راسيندل من أحد أعضاء العائلة المالكة لدولة روريتانيا, عائلة إلفبرج. في الواقع, يضع أخي لوحات للكونتيسة وأحفادها على جدران منزله. يوجد لدى الكثيرين منهم نفس الشعر الأحمر والأنف المستقيمة التي يتسم بها أفراد عائلة إلفبرج. أنا آخر فرد في عائلتي له نفس شكل العائلة المالكة لروريتانيا.

حدث شيئ بعدها بأيام قليلة دعّم قراري بالسفر إلى روريتانيا, فقد قرأت في جريدة التايمز أن رودولف الخامس كان سيصبح ملكا على روريتانيا في خلال الأسابيع الثلاثة القادمة, وأنه تم الإعداد لاحتفالات رائعة بهذه المناسبة السعيدة. فكرتُ أن مشاهدة مثل هذا الحدث سيكون شيئا رائعا, وبدأتُ أعدّ لرحلتي. أنا لا أحب أن أخبر أحدا عن الأماكن التي أذهب إليها في رحلاتي, لذلك فقد أخبرتُ روز أنني ذاهب لممارسة رياضة المشي في جبال الألب. ولأنني لم أكن أريدها أن تعتقد أنني كنت كسولا أيضا, فأخبرتها أنني أنوي تأليف كتاب عن المشكلات الاجتماعية في الريف.

قالت روز, "هل تنوي تأليف كتاب؟ هذا سيكون شيئا جيدا تقوم به, أليس كذلك يا روبرت؟" فوافقها روبرت الرأي قائلا, "نعم, بالطبع. إن تأليف كتاب هو أفضل طريقة للانخراط في السياسة." بالتأكيد روبرت يعرف ذلك حيث أنه شخصيا قام بتأليف العديد من الكتب. فقلت لهما, "معكما حق." وبالرغم من ذلك, لم تكن لديّ نية أن أقوم بتأليف كتاب حقا, وهذا يبين أن معرفتنا بالمستقبل ضئيلة للغاية. فها هو أنا الآن أقوم بتأليف كتاب كما وعدتُ, على الرغم أن هذا الكتاب لا علاقة له بالمشكلات الاجتماعية في منطقة الألب. ولكن اسمحوا لي أن أبدأ بالحديث عن بداية رحلتي إلى روريتانيا.

كان عمي ويليام يقول دائما أنه لا ينبغي على أي شخص أن يمر على باريس دون أن يقضي بها أربع وعشرين ساعة, لذلك عملتُ بنصيحته وحجزتُ ليلة في فندق كونتيننتال. بمجرد وصولي للفندق, زرت بعض أصدقائي القدامى الذين أعرفهم في العاصمة الفرنسية وهما جورج فيذرلي, الذي كان يعمل بالسفارة, وبرترام برتراند, الذي كان الآن صحفيا شهيرا في باريس. ذلك المساء, تناولنا الطعام في أحد المطاعم, وأخبروني بكل الأحداث المثيرة التي وقعت مؤخرا في باريس.

قال برترام, "لقد كان هناك القليل جدا من المشاهير الذين قاموا بزيارة باريس مؤخرا." فسألته, "هل بينهم أي شخص أعرفه؟" فأجاب برترام, "حسنا, أنا قابلتُ أنطوانيت دو موبان اليوم, ربما تكون قد سمعتُ عنها. إنها سيدة نبيلة تشتهر بثروتها وتطلعاتها, ولكنها سوف تغادر باريس اليوم ولا نعرف إلى أين ستكون وجهتها القادمة." فسألته, "ولماذا جاءت إلى باريس؟" فقال جورج, "كانت ضيفة عند دوق ستريلسو. أنا قابلته في السفارة بالأمس. إنه الأخ غير الشقيق لملك روريتانيا. يقول الناس أنه كان الابن المفضل لدى أبيه. ولقد عاد لحضور حفل التتويج بالرغم أنني لا أعتقد أنه سيكون مستمتعا بهذه المناسبة لأنه يودّ لو أنه هو الملك. أنا لا أعتقد أنه يحب أن يكون مجرد دوق." وقال برترام, "ورغم ذلك أنا سمعت أنه رجل ماهر." فوافقه جورج قائلا, "أتفق معك تماما أنه ماهر للغاية."

في اليوم التالي, أتى جورج معي إلى المحطة واشتريت تذكرة إلى محطتي التالية مدينة دريزدن. لم أخبر جورج أنني كنت ذاهبا إلى روريتانيا, لأنني لو فعلتُ ذلك لانتقل الخبر على الفور إلى برترام ومن ثم لانتقل إلى كل الصحف في غضون أيام.

بينما كنت على وشك ركوب القطار, ابتسم جورج فجأة وذهب ليتحدث مع امرأة جميلة وطويلة القامة ترتدي ملابس عصرية تبلغ من العمر حوالي ثلاثين عاما, والتي كانت تقف عند مكتب بيع التذاكر مع امرأتين شابتين, كانتا في تقديري خادمتين لها. عندما عاد جورج بعد دقائق قليلة قال لي, "إنك ستسافر مع إحدى الشخصيات المرموقة. إنها أنطوانيت دو موبان وهي أيضا متجهة إلى دريزدن."

سريعا, تركنا باريس خلفنا. كانت الرحلة طويلة ومملة وتساءلت إذا كنت سأرى أنطوانيت دو موبان في عربة الطعام عندما أتناول طعامي في القطار ذلك المساء, أو ربما أراها وقت الإفطار في الصباح التالي. ومع ذلك لم أر السيدة مرة أخرى حتى اليوم التالي عندما صعد كلانا إلى القطار المتجه من دريزدن إلى روريتانيا. ولكنها كانت تبعد عني بمسافة في القطار فلم تراني.

بعد ساعات قليلة, وصل القطار إلى حدود روريتانيا حيث توقفنا لكي يفحص الحراس جوازات سفرنا. اندهشتُ عندما حدّق الحراس في وجهي وفي جواز سفري لبعض الوقت قبل أن يسمحوا لي بدخول البلد. بمجرد أن دخلتُ روريتانيا, اشتريت جريدة وقرأت فيها أن حفل تتويج الملك كان سيتم في خلال يومين. هذا التوقيت كان مبكرا جدا عمّا كنت أعتقد. وصفت الجريدة حالة الإثارة الموجودة في الدولة لا سيّما في العاصمة ستريلسو, حيث قالت الجريدة أن كل الفنادق كانت تمتلئ بالأشخاص الذين كانوا يريدون مشاهدة هذه المناسبة.

عندما قرأتُ ذلك, قررتُ أنه من الأفضل أن أتوقف في زندا, وهي مدينة صغيرة تبعد ثمانين كيلومترا عن العاصمة, وحوالي عشر كيلومترات عن الحدود. في هذه المدينة أستطيع أن أتمشى في التلال وأشاهد القلعة الشهيرة بالمدينة, ثم أركبُ القطار في ذات اليوم إلى ستريلسو لأشاهد حفل التتويج. بينما كنت أهبط من القطار في زندا, رأيتُ أنطوانيت دو موبان التي ظلّت في القطار لتواصل الرحلة إلى العاصمة, ولكنها لم تنظر إليّ.

رحّبت بي في الفندق الريفي امرأة عجوز التي كانت تديره مع ابنتيها. قالت لي أنها لم تكن مهتمة بما يحدث في العاصمة ولكنها كانت تحب دوق ستريلسو الذي كانت تطلق عليه الدوق مايكل. إنه كان الرجل المسئول عن الأرض داخل زندا والقلعة الموجودة بها. في الحقيقة, كانت صاحبة الفندق تتمنى لو أن الدوق كان هو الملك الجديد وليس أخيه.

شرحت المرأة قائلة, "نحن جميعا نعرف الدوق مايكل, فهو كان دائما يعيش في روريتانيا ويهتم بأمر شعبها, ولذلك يحبه الناس. أما بالنسبة للملك, حسنا, إنه تقريبا غريبٌ عنا. فقد قضى معظم حياته خارج البلاد كما أن الكثير من الناس لا يعرفون حتى شكله. الآن الملك يقيم في كوخ يستخدمه عند الصيد في الغابة, وهو قريب جدا من زندا, وسوف يسافر من هناك إلى العاصمة من أجل تتويجه."

كنت مهتما لسماع ذلك وقررتُ أن أمشي في الغابة في اليوم التالي لعلّي أراه. واصلت المرأة كلامها قائلة, "أتمنى لو أنه يبقى هناك في الغابة. الناس يقولون أنه يحب فقط الصيد والطعام الجيد. يجب عليه أن يسمح للدوق أن يصبح ملكنا الجديد, وهناك الكثير من الناس الذين لديهم نفس الرأي." فقالت ابنتها الكبرى, "حسنا, أنا لا أحب الدوق مايكل. إنهم يقولون أن الملك له شعر أحمر مثلك تماما." فقلت ضاحكا, "الكثير من الرجال لديهم شعر أحمر مثلي." سألت المرأة العجوز ابنتها, "كيف علمتِ أن الملك شعره أحمر؟" فشرحت لها الابنة, "أخبرني بذلك جوهان, خادم الدوق, فقد شاهد الملك عند كوخ الصيد."

سألتهما قائلا, "لماذا يتواجد الملك هنا إذا كانت هذه هي أرض الدوق؟" فشرحت السيدة العجوز, "لقد قام الدوق بدعوته يا سيدي. الدوق موجود في ستريلسو ليقوم بالإعداد لحفل التتويج." فقلتُ, "هما صديقان إذا؟" فردّت العجوز, "لا أعرف إذا كان من الممكن أن تكونا صديقين إذا كنتما تريدان نفس الشيئ." قلت لها, "ماذا تقصدين؟" فقالت, "أنا واثقة أن الدوق مايكل يودّ أن يكون الملك أيضا." فقلتُ, "حسنا, أنا أشعر بالحزن تماما على الدوق, ولكن من حق الأخ الأكبر أن يصبح هو الملك."

قال صوت جهير من خارج الباب, "من الذي يتحدث عن الدوق؟" فقالت السيدة العجوز عندما دخل رجلٌ الحجرة, "عندنا أحد الضيوف يا جوهان." عندما رآني الرجل, خلع قبعته وتراجع خطوة للخلف مندهشا كما لو أنه رأى شيئا مذهلا. فسألته السيدة العجوز, "ماذا بك يا جوهان؟ لقد حضر هذا السيد النبيل إلى بلدنا ليشاهد حفل التتويج." فقالت إحدى بناتيها, "إنه مندهش من الشعر الأحمر. نحن لا نرى الشعر الأحمر كثيرا في بلدنا إلا إذا كنت جزءا من عائلة الملك, عائلة إلفبرج. الكثير منهم شعره أحمر."

استمر الرجل في التحديق في, ولكنه قال, "مساء الخير يا سيدي. أنا آسف, فلم أكن أتوقع أن أرى أي ضيوف جدد هنا." فقلت له, "لا عليك. الوقت تأخر وحان موعد نومي. طابت ليلتكم جميعا. شكرا لكم سيداتي على محادثتنا." وقفت لكي أذهب إلى غرفتي عندما قال جوهان فجأة, "سيدي, هل سبق لك رؤية ملكنا؟" فقلت له, "لا, لم يسبق لي رؤيته مطلقا, ولكني آمل أن أفعل ذلك يوم الأربعاء في حفل التتويج." لم يقُل جوهان أي شيئ آخر, ولكني شعرت أنه يحملق في ببصره بينما كنتُ أصعدُ درجات السلّم.

في الصباح التالي, بدا جوهان أقل توترا بكثير. عندما علم أنني ذاهب إلى ستريلسو قال أن بإمكاني أن أقيم في منزل شقيقته التي كانت متزوجة من أحد التجار الأثرياء ودعت جوهان للبقاء معهما لحضور التتويج, لكنه لم يتمكن من الذهاب. كنتُ سعيدا للغاية بهذه الفرصة وقبلتُ ذلك العرض. قال لي جوهان أنه سيتصل بشقيقته على الفور ويطلب منها أن تنتظرني في ذلك اليوم.

رغم ذلك, قررت أنني مازلت أرغب في مشاهدة الغابة التي كان يقيم فيها الملك, لذلك خططتُ في البداية أن أمشي عبر الغابة لمسافة ستة عشر كيلومترا على طول الطريق حتى المحطة التالية حيث يمكنني أن أركب قطارا إلى العاصمة. لم أخبر جوهان بهذا الترتيب لأنني لم أكن أعتقد أن وصولي إلى منزل شقيقته متأخرا ذلك اليوم شيئا ذا أهمية. لذلك, أرسلتُ حقائبي إلى المحطة وودعتُ السيدة العجوز وابنتيها ثم بدأتُ الرحلة صعودا إلى التل باتجاه القلعة. بعد ذلك, كانت هناك مسافة قصيرة أقطعها سيرا على الأقدام حتى أدخل الغابة.

بعد ذلك بنصف ساعة, وصلتُ إلى القلعة. كانت قديمة جدا ولكن كان بناؤها متينا, ويحيطها خندق مائي من كل الجوانب. خلف القلعة كان هناك قصر حديث والذي كان يستخدمه دوق ستريلسو كمنزله الريفي. كان يتم الوصول إلى القصر بواسطة طريق عريض, ولكن كان يمكن الوصول إلى القلعة القديمة فقط عن طريق جسر متحرك يربط بين القلعة والقصر. كنتُ سعيدا عندما رأيتُ أن الدوق يمتلك مثل هذا المنزل جيد التحصين على الرغم أنه لن يصبح الملك.

وصلتُ إلى الغابة المظلمة بسرعة ومشيت فيها لمدة ساعة تقريبا. كنت مسرورا لأن الأشجار العالية كانت تمنحني ظلا يبعث على البرودة, فلم تكن الشمس تصل كثيرا إلى الأرض بسبب أوراق الأشجار الكثيرة. كان المكان جميلا, وبعد فترة من الوقت, قررتُ أن أستريح متكئا على إحدى الأشجار الضخمة. كان الجو هادئا جدا ويبعث على الطمأنينة في الغابة لدرجة أنني دخلتُ في سُبات عميق, ونسيت كل شيئ بخصوص القطار الذي كان عليّ أن أركبه إلى ستريلسو, وكذلك حقائبي التي كانت تنتظرني في المحطة. كنتُ أحلم في منامي أنني أسكن في قلعة زندا عندما استيقظت على صوتٍ ما يقول, "يا للعجب, أنظر إليه! هذا مذهل! أنه يشبه الملك تماما!"

فتحتُ عيني ببطء ووجدتُ رجلين ينظران إلي. كان يحمل كلا منهما بندقية ويرتديان ملابس الصيد. كان أحدهما قصيرا ولكنه بدا قوي البنية تماما, وكان لون عينيه أزرق فاتح, وكان يبدو وكأنه جندي. أما الآخر فكان أصغر عمرا, ونحيفا ومتوسط الطول, وكان يشبه النبلاء. واكتشفت فيما بعد أن تخميناتي عن كليهما كانت صحيحة.

اقترب مني الرجل الأكبر سنا ورفع قبعته لي بأدب, فوقفتُ على قدميّ. قال الرجل, "إنه تقريبا في نفس طول الملك أيضا, إن هذا شيئ مذهل حقا. ما اسمك يا سيدي؟" فسألتهما, "لعلكما تخبراني باسميكما أولا؟" فتقدم الرجل النبيل خطوة وهو يبتسم وقال, "بالطبع, هذا هو العقيد سابت, وأنا أدعى فريتز فون تارلنهايم. كلانا يعمل لدى ملك روريتانيا."

صافحتهما وقلتُ لهما, "اسمي رودولف راسيندل. أنا مسافر وقادم من إنجلترا وكنت ضابطا في جيش الملكة." فقال تارلنهايم, "حسنا, نحن ضابطان لدى ملكنا, إذا فنحن نفهم بعضنا جيدا." قال العقيد سابت بهدوء, "راسيندل, راسيندل, أنا أعرف ذلك, هل أنت أحد أفراد بيرلسدون؟" فشرحتُ له, "أخي هو اللورد بيرلسدون الجديد." ثم سألتهما, "هل أنا بالفعل أشبه الملك؟" فقال فريتز, "ربما تكونا توأمين." وقال سابت ضاحكا, "على الرغم أنكما كالتوأمين المتماثلين إلا أنكما لستما متماثلين في الشخصية أو في المهارات. أنتما تبدوان مختلفين تماما. فإذا كنتَ ضابطا في جيش الملكة يا راسيندل, فأنت بالتأكيد بارع في المبارزة بالسيف."

سألتهما, "أليس الملك رجل مقاتل؟" فقال فريتز, "الملك يحب أن يعيش بشكل جيد. يمكن أن نقول أنه يفضل تناول الطعام أكثر من خوض المعارك, ولكنه رجل عطوف وهو ملكنا, ونحن على استعداد أن نفعل أي شيئ من أجله." فقلتُ لهما, "إذا ربما نكون متشابهين لأنني أحب أن أعيش الحياة السهلة أيضا." في هذه اللحظة, جاء صوت من بين الأشجار خلفنا يقول, "فريتز, أين أنت يا فريتز؟" بدا القلق على فريتز, ثم قال لي بصوت هادئ, "إنه الملك, إنه قادم إلى هنا الآن."

ثم ظهر شاب من خلف إحدى الأشجار في الغابة ووقف أمامنا. عندما نظرت إليه, صدرت مني صرخة عالية في نفس الوقت الذي تراجع هو فيه للخلف في حالة ذهول من رؤيتي. فباستثناء وجود اختلاف في الطول بمقدار سنتيمتر أو اثنين, كنا نبدو متماثلين تماما لدرجة أنه من الجائز أن يكون ملك روريتانيا هو أنا, رودولف راسيندل, كما أن من الجائز أن أكون أنا هو, ملك روريتانيا.

الفصل الثانى

كان شعورا غريبا بالنسبة لي أن أكون واقفا في إحدى الغابات في دولة روريتانيا أمام شخص يشبهني تماما. وقفتُ أنا وملك روريتانيا القادم لبضعة دقائق ننظر إلى بعضنا البعض في صمت, ثم انحنيتُ لتحيته, وتكلم هو أخيرا.

قال الملك, "أيها العقيد, فريتز, من هذا السيد النبيل؟" كنتُ على وشك أن أجيب عندما تقدم العقيد سابت خطوة للأمام وتحدث مع الملك بهدوء. بينما العقيد كان يتحدث, كان ينصت له الملك بتفهم وكان يحدّق في بين الحين والآخر. بينما كانا يتحدثان, كنت أفحص الملك بدقة. بالتأكيد كان يشبهني بدرجة كبيرة على الرغم من وجود بعض الاختلافات بيننا, ففمه كان أقل عرضا, ووجهي كان أنحف قليلا, ولكن بوجه عام كنا متماثلين.

توقف العقيد سابت عن الحديث, وفجأة بدأ الملك يضحك بصوت عالٍ, ثم تقدم خطوات ناحيتي وهو مازال يضحك وقال, "أنا سعيد بمقابلتك يا ابن العم. أرجو أن تسامحني لأن الدهشة كانت تبدو عليّ, فأنت لا تقابل مثيلك كل يوم." فقلت, "أرجو ألا يكون ذلك أغضبك." فقال, "سواء أحببتُ ذلك أم لا, فلا مفر من أن تكون شبيها لي. أنا لستُ غاضبا, ويسعدني أن أقدم لك مساعدة, إلى أين أنت مسافر؟" فقلت, "إلى ستريلسو, أنا ذاهب إلى حفل التتويج." نظر الملك إلى الرجلين الآخرين وابتسم ثم صاح قائلا, "ما الذي سيخطر ببال أخي مايكل إذا رآنا نحن الاثنين معا."

قال فريتز فون تارلنهايم, "ولكن يا سيدي, أنا لا أعتقد أنها ستكون فكرة جيدة أن يذهب السيد راسيندل إلى ستريلسو الآن." فسأل الملك العقيد سابت, "حقا؟ ما رأيك؟" فقال الضابط الكبير سنا, "أنا أتفق مع فريتز. لا يجب أبدا أن يذهب راسيندل إلى هناك." فقلتُ, "لا عليك يا سيدي, أنا متفهم المشكلة. سوف أغادر روريتانيا اليوم." فقال الملك, "لا داعي أن تغادر اليوم. من فضلك, لابد أولا أن تتناول معي الطعام الليلة. أنت لا تقابل ابن عم جديد كل يوم."

قال العقيد سابت, "تذكر يا سيدي أن يومنا سيبدأ مبكرا غدا." فقال الملك, "ومع ذلك يمكننا أن نأكل جيدا, كما أن الطعام الجيد أهم من النوم. يا سيد راسيندل, ما اسمك الأول؟" فأجبتُ وأنا أنحني له مرة ثانية, "هو نفس اسمك." فقال, "تعالى إذن يا ابن العم رودولف. أنا لا أمتلك منزلا هنا, ولكني أقيم في المكان الذي يستخدمه أخي مايكل أثناء الصيد. إنه ليس كالقصر الذي اعتدت عليه, ولكنه يفي بالغرض لبضعة أيام." وهكذا, قمتُ بالسير مع الملك لمدة نصف ساعة عبر الغابة نتحدث بلا تكلّف حتى وصلنا إلى كوخ خشبي صغير يُستخدم عند الصيد ويقع بين الأشجار. خرج خادم الملك الشخصي لملاقاتنا. كانت الخادمة الأخرى هي والدة جوهان, الرجل الذي قابلته في الفندق الريفي.

سأل الملك الخادم, "هل العشاء جاهز يا جوزيف؟" ردّ الخادم بالإيجاب, ورافقنا إلى غرفة الطعام حيث كانت هناك منضدة معدّة وعليها كمية وفيرة من الطعام. كنتُ جائعا بعد المسافة التي قطعتها سيرا على الأقدام, لذلك أكلتُ كثيرا من الطعام الذي كان شهيا. ولكني لاحظتُ أن العقيد سابت وفريتز فون تارلنهايم لم يرغبا في تناول الكثير بسبب الفعاليات التي ستحدث في اليوم التالي. شرح لي فريتز قائلا, "سوف نغادر أنا والعقيد سابت هنا في السادسة من صباح الغد. سنمتطي خيولنا إلى زندا ثم نعود ومعنا أحد الجنود الحراس لنصطحب الملك إلى محطة القطار." قال الملك, "إنه شيئ طيب جدا من أخي أن يسمح لي باستخدام حرّاسه. ولكن يا رودولف, لا تشغل بالك بهذين الرجلين! فنحن لسنا بحاجة إلى الاستيقاظ مبكرا على هذا النحو. إذا, تناول المزيد من الطعام يا ابن العم!"

واصلنا تناول الطعام وواصل جوزيف إحضار المزيد منه. قال الخادم وهو يضع أمامنا بعض الكعك, "قال لي الدوق أنه يجب عليّ أن أقدم لك هذا في نهاية وجبتك." فقال الملك سعيدا, "أحسنت صنعا يا مايكل. إنه يعرفني جيدا." ثم أكل الكعك بنهم كما لو كان هو أول شيئ يأكله طوال اليوم. أنا أكلت كعكة واحدة فقط حيثُ كنتُ قد أكلتُ ما يكفي بالفعل. وعندما بدا أن الملك قد فرغ أخيرا من الطعام, طلبتُ أن أذهب للنوم. هذا كل ما أتذكره في ذلك المساء.

الشيئ التالي الذي أتذكره هو أنني استيقظتُ فجأة وقد غطى الماء وجهي. رفعتُ رأسي لأعلى فرأيتُ العقيد سابت يقف أمامي وبجواره فريتز فون تارلنهايم, فقلت عندما أدركت أن العقيد قد نثر الماء فوقي, "لم يكن هذا شيئا مضحكا." فقال سابت, "لم تكن هناك أي وسيلة أخرى لتوقظك من النوم. الساعة الآن الخامسة." فقلت, "الخامسة؟ ولكن الوقت مبكر و..." فقال فريتز بصوت يبدو عليه القلق, "راسيندل, يجب أن تأتي وتنظر إلى هذا." وأخذني من ذراعي وقادني حتى الغرفة التالية. كان الملك ملقى على الأرض ولون وجهه أحمر ويتنفس بصعوبة.

شرح فريتز لي قائلا, "نحن نحاول إفاقته منذ نصف ساعة ولكننا لم نستطع." انحنيتُ إلى أسفل وقمتُ بجس نبضه فوجدته ضعيفا وبطيئا للغاية. قلتُ لهما, "إنه بالتأكيد ذلك الكعك الذي أكله الليلة الماضية. هل تعتقدان أنه تعرّض للتسمم؟" فقال سابت, "لا نعلم. يجب أن نحضر طبيبا." فقال فريتز, "لا يوجد طبيب لمسافة خمسة عشر كيلومترا, وحتى لو هناك ألف طبيب فلن يستطيعوا شفائه اليوم." فصرختُ قائلا, "ولكن ماذا عن حفل التتويج؟" فقال فريتز, "علينا أن نخبر شعب روريتانيا بأنه مريض." قال سابت, "لو لم يتم تتويجه اليوم, فلا أعتقد أنه سيكون ملكا بعد ذلك على الإطلاق." فسألته, "ولكن لماذا؟" فقال سابت, "الدولة كلها تنتظره اليوم. ومعظم الجيش, الذي يقوده الدوق مايكل, يترقب أيضا, إنهم لن يكونوا سعداء بذلك."

قال فريتز وهو ينهض استعدادا للمغادرة, "يجب أن نخبر الجميع بما حدث ونستغل ذلك لصالحنا." فأوقفه سابت الذي سألني, "هل تعتقد أنه تم دس السم له؟" فأجبته بأنني أعتقد ذلك, فتساءل, "إذا من الذي فعل ذلك؟" فأجاب فريتز غاضبا, "إنه بالتأكيد الدوق مايكل." فاستطرد سابت قائلا, "نعم, إنه فعل ذلك حتى لا يمكن تتويج أخيه. أنت لا تعرف شخصية الدوق يا راسيندل, أليس كذلك؟ لو لم يصبح رودولف ملكا, فسوف يستولي الدوق مايكل على التاج." جلسنا جميعا صامتين نفكر فيما يمكننا عمله. ثم نهض سابت فجأة وقال بحماس وهو ينظر لي, "عندي فكرة. لقد كان من حسن الحظ أن نقابلك بالأمس, لأنك تستطيع أن تذهب إلى ستريلسو لكي يتم تتويجك!"

قلتُ ضاحكا, "أنا؟ هذا مستحيل. سيلاحظ الناس أنني لستُ الملك, ولا تنسى أنني إنجليزي." فقال فريتز, "من السهل أن نغض الطرْف عن ذلك لأن لغتك الألمانية ممتازة, وإذا قمنا بإلباسك ملابس مختلفة, لن يعرف أحد." قال سابت, "لو لم تذهب إلى ستريلسو, سيصبح الدوق مايكل ملكا الليلة, والملك إما أن يموت أو يتم الزج به في السجن." فقلت, "أنا متفهم ما تقولان, ولكن لن يغفر لي الملك مطلقا إذا..." فصرخ سابت مقاطعا, "إن بلدنا تحتاج ذلك." فوقفتُ, ومشيتُ في أنحاء الحجرة في صمت. أصدرت ساعة الحائط تكاتها ستين مرة, ثم وصل العدد إلى سبعين, فثمانين. نظرتُ إلى الملك المسكين الملقى على الأرض وأدركتُ أنه ليس أمامي بديل آخر. قرأ سابت تعبير وجهي بوضوح لأنه ابتسم حتى قبل أن أقول بهدوء, "حسنا جدا, سأذهب."

قال سابت, "لن ننتظر حراس مايكل, بل سنغادر إلى ستريلسو في الحال. يمكن أن نخبئ الملك في القبو, بحيث عندما يصل الحراس يعتقدون أنه لا يوجد أحد هنا." فسأله فريتز, "ماذا لو قاموا بتفتيش المبنى؟" فقال سابت, "سوف يقول لهم جوزيف أنه لا يوجد أحد في كوخ الصيد. هذه هي فرصتنا الوحيدة." فسألتُ, "كيف سنأخذ الملك إلى ستريلسو؟" فقال سابت, "الليلة, نبيتُ في القصر وبمجرد أن نصبح بمفردنا في حجرة نوم الملك, أنا وأنت نغادر عائدين إلى هنا على ظهر الخيل. فريتز سيبقى في القصر ليحرس حجرة نوم الملك, وأنا سأبلغ جوزيف أن يجهز الملك لرحلة العودة. بعد ذلك سيعود الملك معي في الظلام إلى القصر. وفي هذه الأثناء, تمتطي أنت الجواد بأسرع ما يمكنك لتصل إلى الحدود وتحاول أن تغادر البلد قبل طلوع النهار. هل نحن جميعا موافقون على هذه الخطة؟" فقلت له أنني موافق, وقال فريتز, "إنها خطة جيدة."

سابت وفريتز قاما برفع الملك وحمله إلى خارج الحجرة, ولكننا أدركنا أن والدة جوهان كانت تراقبنا ونظرت لنا وعلى وجهها تعبير غريب قبل أن تنصرف. قال سابت, "أعتقد أنها سمعتنا. بعد أن نقوم بنقل الملك, سوف أتحدث معها." في هذه الأثناء, بدأ جوزيف يساعدني في ارتداء بعض ملابس الملك. عندما عاد فريتز, نظر إلي وقال, "أعتقد أننا سننجح." فسألته, "ماذا حدث لوالدة جوهان؟" فقال, "تم احتجازها في القبو مع الملك. سوف يطلق جوزيف سراحها فيما بعد, بعد مغادرة مايكل. ولكني متأكد أنهم عندما يجدوا أن الملك غير موجود هنا, سيُدرك مايكل أننا نعرف خطته." قال سابت عندما عاد إلى الحجرة, "هيا بنا نغادر." فسأله فريتز, "هل كل شيئ آمن هنا؟" فأجاب سابت, "لا, لا شيئ آمن في أي مكان, ولكن يجب علينا بذل قصارى جهدنا."

كنا جميعا الآن نرتدي الزي الرسمي, وبدأنا الرحلة على ظهر الخيل. كان صباحا باردا, وبدأ سابت على الفور يحكي لي قصة حياة الملك. حكى لي عن عائلته والأشياء التي يحبها واهتماماته ونقاط ضعفه وأصدقائه وخدمه. وأخبرني كيف يجب أن أتصرف في القصر, وقال أنه سيكون دائما إلى جواري ليحدثني عن الأشخاص الذين سوف أقابلهم. سريعا, وصلنا إلى المحطة. قال فريتز لحارس المحطة الذي بدا مندهشا أن الملك قد غير خططه, وصعدنا إلى القطار متجهين إلى العاصمة. نظرتُ في ساعتي, أو يجب أن أقول في ساعة الملك, وسألت فريتز إذا كان يعتقد أن الدوق مايكل قد وجد الملك, فقال, "أتمنى ألا يكون قد حدث ذلك." بعد وقت قصير مررنا بأبراج ومباني العاصمة ورأيتُ أننا كنا نقترب من المحطة.

سألني سابت, "ما هو شعورك الآن؟" فقلت, "متوتر. فأنا بشر من لحم ودم." فقال, "ستكون على ما يرام. ولكننا وصلنا ساعة مبكرا عما كانوا يتوقعونه, لذلك فلن يكون هناك أحد في استقبالنا. يجب أن نرسل تنبيها بوصولنا إلى القصر, وفي هذه الأثناء ..." فصرختُ فيه مقاطعا, "في هذه الأثناء, سأتناول الإفطار. الملك جوعان." ابتسم لي سابت, وأمسك يدي قائلا, "دعنا نأمل أن نكون جميعا على قيد الحياة اليوم." توقف القطار وأخذتُ نفسا عميقا بينما كنا نخطو للخارج إلى المحطة في ستريلسو. بعد ذلك بدقيقة واحدة أصبح كل شيئ مليئ بالحركة, جرى رجال نحونا ثم جروا مبتعدين مرة أخرى, امتطى جنودا خيولهم وابتعدوا, ورافقني رجال آخرون إلى مطعم المحطة. وأثناء تناول إفطاري, سمعتُ أصوات موسيقى وأشخاص يهتفون قائلين, "حفظ الله الملك", كانوا يستعدون لحفل التتويج. قال سابت, "حفظ الله كِلا الملكين."

عند مغادرة المطعم, رأينا مجموعة من الجنود الذين وصلوا للترحيب بنا. كان قائد المجموعة رجل طويل وكبير سنا, وكانت سُترته تمتلئ بالأنواط. قال سابت لكي أعرف من هو, "هذا هو المارشال ستراكنتش." إنه شخص مهم جدا في الجيش. قام المارشال بتحيتي واعتذر لي لأن الدوق لم يتمكن من استقبالي في المحطة, وقال أنه سيقابلني قريبا. كنت أرد بطريقة مهذبة ورسمية قدر استطاعتي, وبدأت أشعر بأنني أقل توترا عندما لم يبدو أن أي شخص قد أدرك أنني لست الملك. ولكني رأيتُ أن فريتز كان مازال متوترا للغاية عندما قام بمصافحة المارشال.

سار الجنود أمامنا حتى خرجنا من المحطة, ثم امتطينا الخيول التي كانت تنتظر بالخارج. بدأتُ أتجول عبر العاصمة راكبا, وكان المارشال علي يميني وسابت على يساري. بينما كنا نتجول بالخيول رأيتُ أن جزءا من المدينة كان قديما والجزء الآخر كان جديدا. كانت هناك شوارع واسعة حديثة حيث يعيش الأثرياء في منازل كبيرة. هؤلاء هم الناس الذين كانوا يعيشون دائما حياة جيدة في عهد والد الملك, وهم الذين كانوا يساندون الملك الجديد لأنهم يعرفون أنه لن يحدث تغيير في أي شيئ.

ولكن خلف الشوارع الحديثة كانت هناك منطقة مختلفة تماما والتي كانت تمثل المدينة القديمة. هنا كان يكتظ الآلاف من الناس في منازل صغيرة جدا والتي كانت قديمة وفيها الحرارة مرتفعة في الصيف والبرودة قارصة في الشتاء. كان يسكن في هذه الشوارع الضيقة الكثير من الفقراء, وهؤلاء الناس لم يكونوا يريدون أن تظل الأوضاع على حالها. ولهذا السبب, هم لم يحبوا الملك وكانوا يؤيدون الدوق مايكل الذي أخبرهم أنه يريد أن يجعل الأمور مختلفة وأعطاهم أملا في حياة أفضل. كنت أعرف أن هذه المنطقة لم تكن آمنة بالنسبة لي, بصفتي الملك.

واصلنا السير باتجاه ميدان كبير حيث كان يوجد القصر. كانت هناك رايات وشرائط ملونة في كل مكان, وكان الناس يصطفون في الشوارع يصفقون ويهتفون. لوّحتُ لهم بيدي أثناء مرورنا, وكان الناس يلقون بالورود فوقي من الشُرفات. سقطت إحدى الورود على حُصاني, فالتقطتها وقمتُ بتثبيتها في معطفي. نظر المارشال إليّ عندما رآني أفعل ذلك, ولكني لم أستطع أن أحدد من خلال تعبير وجهه إذا كان سعيدا أم غاضبا.

ورغم ذلك, ابتسمتُ للمارشال بسعادة. كتبتُ كلمة "بسعادة" لكن كان هذا هو الإحساس الذي انتابني حقا. فالحقيقة هي أنني في تلك اللحظة صدّقتُ أنني الملك بالفعل. رفعتُ بصري لأعلى وضحكت, كنت مسرورا لرؤية هذا الكم الهائل من الألوان وهذا العدد الكبير من الوجوه السعيدة. ثم نظرتُ مرة أخرى مندهشا, فهناك في إحدى الشُرفات العالية, رأيتُ الابتسامة الواثقة للمسافرة التي كانت في القطار, أنطوانيت دو موبان. عندما حدّقت في, تغير تعبير وجهها. بالتأكيد عرفت حقيقتي, بالتأكيد كانت ستصرخ قائلة, "هذا ليس هو الملك الحقيقي."