الفصل الرابع

6 0 00

الفصل الرابع

(ص76-79)

{يندر ألا يتعود الطلاب، في باريس، التردد على مقاهي الحي اللاتيني، يتنقلون في مطلع كل عام، كل منهم، ما يلائم ذوقه وميوله الفنية، أو الفكرية، أو الاجتماعية،

أو حتى الجنسية! فلا يحل برد الشتاء القارس، حيث يستحيل التمشي والتسكع في الطرقات، وعلى ضفاف نهر "السين"، إلا وتتبنى كل زمرة، أو عدة جماعات، مقهاها

الخاص.. تكاد لا ترتاد سواه! تختصّ زوايا معينة منه، أو مناضد متخيرة منها.. فلا تركن إلا إليها، ويأتي المبكرون منهم، فيحتجزون مقاعد، تبقى بقية معظمها

شاغرة، لا يحاول التجرؤ عليها أحد من الغرباء، رغم اكتظاظ هذه المقاهي بالرواد، حتى تصل سائر أفراد كل ثلة، في أوقاتها المختلفة، فيحتل كل مكانه المألوف،

في تعارف، ضمني، لا يلبث أن يصبح تقليداً يدوم حتى حلول العطل السنوية الكبرى!

لعل موقع مقهى "الفلور" الخاص، في شارع "السان جيرمان"، وبُعد هذا الشارع النسبي، عن مركز تحشدات الطلاب، في شارع "السان ميشيل" و"السوربون"، أعطت مقهى

"الفلور"، وشارع "السان جيرمان"، طابعهما الخاص المميز.. أضف إلى ذلك، مسحة القرن السادس عشر، عبر تلك الكنيسة القديمة الوقور،المطلة على مقهى "الدوماغو"،

المحاذي ﻠﻟ "الفلور"، كل هذه، عوامل، جعلت من حي "السان جيرمان" ومقاهيه، خلايا.. يجتمع فيها معظم ثوريي الفكر في باريس ما بعد الحرب، فأصبحت مراكز، لرواد

الفلسفة الوجودية ومخابر كان المتطفلون من أنحاء العالم يأتونها لمشاهدة مدى تأثير هذه التيارات الفكرية الجديدة في حياة من يعتنقونها ويعيشونها، من فنانين

أو مغامرين أو مرتزقة!

وفي شارع "السان جيرمان" نفسه، يتفرد كل مقهى من هذه المقاهي بطابعه المميز، ومستواه الخاص..

فالحرب أسقطت كثيرأً من تيجان مقاهي العشرينات الشهيرة.. فاشرأب "الفلور"، و"الدوماغو"، مثلاً، لاحتواء شخصيات الأدب والفكر اللامعين، من مقهى "السيليكت"،

في منطقة "المونبارناس"، حيث كان يتردد أمثال "أراغون" و"مالرو" و" الدادائيين" ثم "السورياليين".. من الفرنسيين، ومن الأجانب، "هيمنغواي" و"جويس" و"فولكنر"

و"ريلكة"، فنبشت "الفلور" في أمجاد تاريخها القديم.. ذكريات روادها، من أمثال "رامبو"، و"فيرلين"، مستقطبة بذلك "كوكتو"، ومن دار في فلكه من سينمائيين

وفنانين.. ثم كثيرين ممن أصبحوا فيما بعد، نجوم المسرح والباليه، والسينما.. أما مقهى "البيرغولا" بما كان له من أصول إسبانية، فبدل أن يجمع مريدي "بيكاسو"

و"دالي" و"ميرو"، كما كان متوقعاً أن يفعل.. تلقف كتّاباً مثل "جان جينيه" و"سارتر".. وغيرهم، إلى جانب عدد وفير من صغار المسرحيين والشعراء، يأتونه آخر

الليل، لإشباع ميولهم الجنسية! أما الفنانون، من رسامين، ونحاتين، فبعد أن تركوا قمة "مونمارتر" و "مونبارناس" للسياح، لجؤوا إلى زوايا ومقاهي اﻟ "رو

دي سين" الصغيرة والمنعزلة.. إذا ما خرجوا إلى السان جيرمان" لا يستطيعون الجلوس سوى في "المابيون" القديم، حيث كانت ثلتنا قد اعتادت أن تلتقي منذ ساعات

المساء الأولى في كل يوم!

* * *

أحار في وصف ما كان يجري بيننا أثناء هذه اللقاءات!

أكنا نجتمع لنسمر ونتلهّى؟ أم كان "المابيون" حلبة نزال لنا، لا نلتقي فيه سوى لنخرج ويدمي بعضنا بعضاً؟ أكنّا نأتي طواعية؟ تجذبنا حاجة طبيعية لتبادل

الدفء الإنساني؟ أم كنا نترقب ما بين السادسة والسابعة من كل مساء.. يتمنى كل منا لو أن لديه من الاختيارات ما هو أفضل وأجدى من هذا الصراع اليومي، نتقدم

منه وجلين..نقترب من مقاعدنا، متحفزين.. يخفق قلب كل منا لأنه سيجلس إزاء هذه، من الفتيات، أو ذاك من الأصدقاء.. يتمنى لو أن هذا، أو تلك، لن تأتي.. يتمنى

لو أنه ينفرد لحظة بمن يميل إليها.. فيخلو له المجال، لتبادل نظرة أو لمسة ذات معنى خاص، علّها تفصح بعض الشيء عما كان كل منا يخفيه من عواطف لا يجرؤ

على الإفصاح عنها.. والزمن، كان زمن عقل، وإرادة، وفلسفة.. والعاطفة، كانت مخلفات رومانسية قرن مضى، يلقّب من يضعف منا، وتظهر من عينيه ومضة شوق، باﻟ

"الوردة الزرقاء".. فيصبح، خلال لحظات، محطّ تندّر وسخرية الآخرين!! يكيل له السخرية، حتى ذلك الطرف الآخر.. ذلك المقصود بالعاطفة.. يهزأ منه، بينما يودّ

في سرّه لو يبادله نظرة الحب، بنظرات!

أكان ذلك قانون كل الصداقات الجماعية؟ أم قانون ثلتنا نحن، ومجموع أعمارنا الوسطي لم يزد عن العشرين؟!

لم يكن بيننا من يجرؤ على اختصاص آخر بالحب أو المودة الخاصة! حتى "جينيت"، ورغم اعترافها العابر لي، في داري خلال لقائنا الأول، كانت تتحاشى أن تظهر الحب

ﻠ "مكسيم" في الحي اللاتيني!

كنت غريباً عن عالم الحي، في أول لقاء لنا، لذلك سهل عليها الإقرار بحبها ﻟ "مكسيم" أمامي.. فما أن أصبحت واحداً من ثلتهم، فيما بعد، حتى عادت تنكر حبها

في غضب أمام كل من يسائلها عن ذلك، وتعيد السائل إلى حدوده في قسوة ناهرة، محذرة إياه، التدخل بما لا يعنيه!

لم يكن هناك ما يجبر أياً منا على هذا التصرف أو ذاك! كنا أحراراً، ليس ما يمنعنا، لو شئنا، من التدلّه في حب من نريد.. وما من دوافع لدينا على لقاءاتنا

الليلية تلك، سوى الرغبة الشخصية لكل منا! لم يكن هنالك ما يحول ، بين أي زوجين منا، دون قضاء الليل في سرير واحد، لو طاب لهما ذلك، بل كانت هذه هي القاعدة

السائدة، شريطة ألا ينعكس وفاقهما الجنسي المؤقت، على تصرفاتهما اليومية! كأنّ كلاً منا قد وقّع عقداً جماعياً، خفياً، لا يشترط فيه على نفسه أن يبتر

العواطف، أو يقتلعها من نفسه، ففي ذلك "بيوريتانيه" جامدة، و"أنغلوساكسونية"، لا تليق بحيّنا "اللاتيني" الجذور! بل يشترط في ذلك العقد، التعامي عن هذه

العواطف.. تصعيدها..تجاه نفسه، ونكرانها! حتى أمام المحبوب نفسه! ثم الهزء من تلك العاطفة، إذا لزم الأمر، أمام الآخرين!

وفي كل ذلك.. لم يكن لنا، من سلاح في مقارعاتنا ومنازلاتنا هذه، سوى المطالعة والثقافة!

وفي هذا الصراع تفقد الفلسفة قيمتها الذاتية، وتغدو نظرياتها معتركاً لنا نلتحم فيه التحاماً، تذكي العواطف أواره، وتُشهَر فيه الأسلحة الماضية من أسماء

الفلاسفة وأقوالهم.. وغاية الغايات في هذه الخصومة الجدلية، أن يجيد الخصم استخدام السلاح، لا أن يظهر على قرينه بالحجة المقنعة!}

images/clip_image