-2-
ودخلنا المقبرة..
سكون مخيف.. شعرت به يرتعش خوفا وألما. وسررت جدا. . ضحكت وارتعشت فرحا. بكيت بعد أن فرحت.
وبكى خوفا ورعبا وندما.. بكى حسرة على هذه الليلة.
قال والكلمات تكاد لا تخرج من بين شفتيه:
الوقت منتصف الليل.. عريس وعروس بلباس الزفاف بين القبور، إنه الجنون كله.
حاول أن يتكلم ثانية لكن حروفه غصت في فمه .لم يستطع الكلام..
قرأت قرآنا للأموات. وهو لم يستطع قراءة الفاتحة ..
نظرت إلّيه وتبسمت ..حسبني جنية في منتصف الليل خرجت لترعبه وتتلبسه.
تبسمت ثانية، خاف أكثر وازدادت مشاعر الرهبة والرعب في داخله.
تحركت نسمات هوائية باتجاه المقبرة قادمة من المدينة النائمة والغافية والمطلة على مقبرة ليلى شرقا والشلالة غربا.
حركت هذه النسمات أشواكا وجدت لها بيتا بين القبور وتيبست لتكون كساكني هذه المدينة. أخرجت الأشواك حفيفا خفيفا , فشعرت بقلبه يهبط خوفا وألما ورعبا.
كنت وقتها أتنقل بين القبور .. أصافح قبرا وأقبل قبرا وأقرأ الفاتحة فوق رأس قبر آخر.
جلست في وسط المقبرة. سكون مخيف. قبور درست ولم يتبق منها إلا حجارة صغيرة تكاد لا يبان لها أثر. وقبور جديدة محاطة بطوب على شكل مستطيل ممتلئ بالأتربة، قبور لأطفال رضع، قبوررصغيرة ما زال ساكنيها يبكون أمهاتهم جوعا أو ألما.
شعرت بخوفه، قلت:
تحمّلني.. فأنت أحببتني رغم كل الظروف السيئة التي أحاطت بي كالسوار حول المعصم.
لم يتكلم أو لم يستطع الكلام.
أمسكت بيده فشعر بشيء من الطمأنينة .. سحبته إلى قربي وقبلت باطن كفّه وقلت :
- أنت إنسان عظيم.
ورميت برأسي على كتفه فشعرت بنفسه تطمئن قليلا ونسي خوفه. ونسي المقبرة .
قلت له:
- لماذا نخاف من القبور .. أتعرف أنني عشت ليال طويلة منذ نعومة أظفاري بين القبور..
كانت ملجئي عندما هربت من ملجأ الأيتام ..وكان ساكنوها أهلي عندما قتل أهلي بصاروخ أعمى وأصبحت بلا أهل أو مكان ..
خرجت حروفه مطمئنة مليئة بالحب وقال:
- أنا بيتك وأنا أهلك.
- قلت لي يوما أنّ اسم المقبرة ليلى لماذا ليلى؟
- يقال إنّ أوّل من دفن فيها فتاة اسمها ليلى، ان مقبرة ليلى في الحي الشرقي تعود الى ليلى عبد السلام وهي عراقية كان ابوها يعمل في الجمارك الاردنية توفيت ولما تبلغ الثانية عشرة واشترى قطعة الارض كاملة وتبرع بها لتكون مقبرة للبلد كان هذا عام 1932.وقد تكون نسبة إلى ليلى الفتاة العربية العشيقة التي ماتت عشقا.
- كلّ المقابر العربية ليلى.