-5-
توجهت إلى المقبرة. كان الوقت فجرا دخلتها بحثا عن أبي وأمي لكنهما ليسا هنا.
سرت كثيرا وطويلا.
لا أدري كم مضى من الساعات والمسافات منذ أن هربت من دار الأيتام. لكني هربت. هربت بشعري الطويل دون أن أعلم إلى أين وجهتي، إلي أين أذهب وإلى من ألتجىء .
دخلت المقبرة هربا.
لكني في طريقي إلى الموت تذكرت جدتي ورجال القرية والرهن عن كيلو هريسة:
- حنتش بنتش واللي بلحق بنتش.
لم أر شيئا، ولم أجد في عتمة الليل قبر والدي. سرت قليلا. اقتربت من أحد القبور وضعت رأسي على حجارته ونمت حتى أيقظتني الشمس القاسية، نظرت إلى المكان أتفحصه، مليء بالقبور والموت. وحيدة أتنفس الهواء بين هؤلاء الراقدين في مدينتهم.
أحسست بالجوع، شدتني معدتي ألما و جوعا أحيانا وألم الدورة الشهرية أحيانا أخرى، لم تحمني قطعة القماش التي وضعتها تحت سروالي الداخلي من تسرب بقعة الدم على ملابسي حتى تراب القبر تلوث بي وبدمي.
دخلت المدينة قبل أربع سنوات طفلة تحملها إحدى السيارات برفقة قريبي من المخيم يحمل في جيبه كتابا من لجنة المخيم الذي يسكن فيه. يحمل الكتاب ختما دائريا وينص على شهادة اللجنة أنني يتيمة الأبوين ولا أقارب لي يعرفهم أحد، ومرفق مع الكتاب شهادة ميلادي وأوراق أبي الرسمية وغير الرسمية.
عندما دخلنا مكتب مديرة دار الأيتام، سلموني للمديرة ووقعت على استلامي، احتفظت بالأوراق الرسمية وأعطتني الأوراق غير الرسمية لأبي. كانت عبارة عن عدد من الدفاتر المكتوبة بخط جميل سجل فيها أبي ذاكرته الشعبية والنفسية قبل الرحيل وبعد الرحيل. كان لي فيها نصيب كبير وعندما هربت من دار الايتام حملت معي دفاتر أبي فقط.
دخلت شوارع المدينة طفلة مبهورة بالسيارات والأضواء الكبيرة وها أنا أدخلها مرة ثانية وأنا امرأة او أصبحت امرأة باللغة التي تترجم فيها الفتيات الصغيرات أنفسهن كنساء بالغات. إنها لغة الدم.
سرت ساعات كثيرة أبحث عن يد تحنو على رأسي المصدوم بأشعة شمس أيلول وجوع الليل وساعات النهار الأولى. فكرت في طلب رغيف خبز من أحد المخابز لكني فشلت خجلا.
رأيت أناسا يتراكضون بلا هدف، يهربون خوفا من شي ما يطاردهم، هربت مع من هربوا، جلست في زاوية إحدى البنايات الكبرى وكان الرصاص حفر فيها المئات من الثقوب، دخلت البناية الفارغة وجلست تحت بيت الدرج، سمعت صوت أنفاس، خفت وكان الصوت خائفا مني، رأيته بجسده الصغير الذي يشبه جسدي يختبئ خلف صندوق صغير، رآني تبسم لي وقال:
- ماذا تفعلين هنا؟
- هربت مع من هربوا.
- من أين جئت؟
- من المقبرة.
- ماذا المقبرة؟!
- نعم، المقبرة. وأنت ماذا تفعل هنا؟
- هربت من طخ الرصاص. ألم تسمعي أصوات الرشاشات؟
- بلى سمعت، لكن من أين تأتي الاصوات؟
- من النوافذ ومن السيارات والزوايا من أسطح البنايات والدبابات.
سرت كثيرا أحمل في يدي دفاتر أبي وفي معدتي جوع يمزق أمعائي. الجوع قاس وكافر، هل جربت يوما أن تجوع؟ لا أظنك.
سمعت فجأة صوت المؤذن ينادي لصلاة الظهر، أصوات الرصاص توقفت، ربما تقديسا للصلاة. توجهت الى الصوت، خطاي ضعيفة، وإنصاتي لصوت المؤذن كاد أن يرمي بي تحت عجلات سيارة، صرخ السائق:
-(عميا)
سرت قاطعة الشوارع باتجاه صوت المؤذن، وفجأة ظهرت مآذن المسجد الكبير، أسرعت خطاي باتجاه المسجد. رجال مسرعون باتجاه أماكن الوضوء وآخرون يدخلون للمسجد.
اقتربت من الباب الرئيسي طمعا برجل يخرج من المسجد ويحنو عليّ بكسرة خبز. ورأيتها. رأيتها فجأة تجلس عند الباب، طفلة مثلي أو تصغرني بالدورة الشهرية وتكبرني بالأحزان، اقتربت منها ممزقة النظرات، أمامها بضعة قروش لم تبلغ قروشها الحفنة بعد.
اقتربت منها أكثر، أردت أن أجالسها بهمومي لكنها نظرتني بعيون من بلغ الستين ألما وقالت:
- شو بدك؟ هاي منطقتي.
ابتسمت مدركة.
لا أريد منها شيئا سوى مشاركتي بعيونها أحزاني.
قالت:
- ابعدي من هون، روحي لمكان ثاني أحسن لك.
قلت لها.
- أنا جائعة. جائعة جدا.
نظرت حولها، تفحصت المصلين، مدت يدها الى قرش ورمته أمامي وقالت:
- خذيه بسرعة واهربي.
أنتظر الصباح. الليل طويل وأنا أجلس وحيدة تحت عمود الكهرباء. كل ما حولي مليء بالعتمة. سيل من الخوف يحتلني. فراشي أصبح شارعا.
سيل الليل الحالك الظلمة يجالس طفلة لم تغير فوطة من القماش منذ يومين والدماء غيرت لون ملابسها، لم تتناول منذ يومين وليلتين إلا قطعا من الخبز اشترتها بثمن قليل من مخبز قريب من المسجد راح صاحبه ينظر إليها نظرة إشفاق حتى إنه رفض أخذ ثمن الخبز، شكرته بابتسامة طفلة جائعة وتمنت لو أنها تحصل على صحن زيت زيتون وقليلا من من حبات الزيتون.
الخوف يستحوذ علي رأسي. تملك كل حواسي. استحوذ على نظراتي. أنفاسي. أطرافي. عقلي. رأسي يكاد يتفجر. الخوف يملئ كل شيء في جسدي. يشاكسني يغلق نوافذ النور. إنارة شبابيك البنايات تضاء وتطفأ.
أصوات الرصاص في كل مكان. لو أن رصاصة طائشة تأتيني وتلحقني بأبي وأمي، لكن صاروخهما لم يكن طائشا.
شبابيك الحمامات صغيرة، تضاء، يخرج منها بخار حار مليء بالأنفاس الحارة. أشم رائحة البخار يتصاعد من أجساد النساء، يتصاعد الى أعلى بعد تعب وجهد.
وأنا ملقية بظهري إلى عمود كهرباء وتلتصق ملابسي بجسدي المرهق والمراهق، ولا شئ غير الملابس يحرك جسدي.
وانتظرت.
يمر الليل كئيبا قاسيا مخيفا، وتمضي كل ليلة لي مليئة بالتعب والإرهاق، تجر معها ألما في رأسي لم يفارقني مدى الحياة، يسير الليل الأول بطيئا متثاقلا كسولا وتتبعه ليال بطيئة الحركة تسير بتثاقل وكسل.
بانتظار نهار. لا أدري إلى أين أذهب فيه. تخرجني من خوفي أصوات رصاصات قليلة تتناثر هنا وهناك لكنها بعيدة عني.