-3-

8 0 00

-3-

رأسي مثقل بذاكرتي

ذاكرتي تحمّل رأسي ما لا يطيق ... ورأسي مثقل بها.. يحاول التخلص منها وتحطيم كل أشرعتها وتدمير حصونها وأسوارها.. لكنّ ذاكرتي كسرت رأسي حطمته قبل أن يحطمها.. لم يقو على مجابهتها أو التخلص منها أو حتى تجاهلها ... ذاكرتي أقوى من رأسي.

ذاكرتي ليست ككلّ الذاكرات، إنها كبيرة ومريضة، لا بدّ من وجود ذاكرة كبيرة مثل ذاكرتي لكن لا يوجد ذاكرة تجمع السعة والمرض في آن واحد.

واسعة وغير محدودة لكنها مريضة. ما إن تبدأ بالوصول إلى المنتهى حتى تترك كل شيء فيها للضياع.

حياتي مقبرة كبيرة..

لو سمح لي بإعادة حياتي منذ الرحيل الأول عندما اغتصبوا أرضي وأمي حتى موعد اغتصابي كنت عشت حياة غيرها، وكنت دربت ذاكرتي وعودتّها أن لا تتسع وتبقى طفلة صغيرة تلعب بطرقات الحيّ الترابية. لكنّنا لا نختار أسماءنا ولا أعمارنا ولا ذاكرتنا أو تاريخنا.

سأبدأ من حيث وصلنا...

سأبدأ من المقبرة التي تعتبر بداية التاريخ لحياتي وبداية الموت لزمن أصر أن يظلّ يعذبني في سجوني الكثيرة.

المقبرة التي تمنّيت عليك أن تكون أول ليالي زفافنا هي بداية التاريخ الذي أبدأ منه أول صفحات حياتي.

أحتاج منك القليل من الصمت والقليل من الإصغاء، أحتاجك كورقة بيضاء أخطّ عليها ذكرياتي وذاكرتي، ذكرياتي التي تثقل كاهل ذاكرتي لتصبح أنت التاريخ الذي يحملني ليله ونهاره.

أ سأل نفسي قبل أن تسألني أنت :

من أنا ومن هي ذاكرتي...؟

"أنا متعبة جداً... أحتاج كتابا ذا صفحات كثيرة. كثيرة جدا. كثيرة وبيضاء. أحتاجه لأخط عليه حبر حياتي. أحتاجه لأفرغ عليه ذاكرتي المثقلة بالذكريات. أحتاجه لأشعر بالراحة.

أحتاج إلى ذاكرة بعيدة عن العفن أغفو على بابها وتحت ظلالها. لكنّي لا أريد أن أكون متسولة على أعتاب ذكريات الآخرين، أريد أن أملك المفتاح الذي يفتح لي أبواب الأجساد والكلمات والصفحات البيضاء لأسطر عليها حروفي الكثيرة.

**

كنت طفلة أحب أرضي وتاريخي وحضارتي ونشيدي الوطني..

منذ أول ليلة بالهروب ونحن نحمل ما خفّ حمله. كان أبي يحمل كيسا على ظهره فيه كل ما نملك ويحملني بالتناوب مع أمّي. كنت ابنتهم الوحيدة، وكان النهر آخر مكان يجمعنا وآخر زمان لنا.

قطعنا النهر في منتصف الليل، لم يكن أحد منّا يملك أن يحدد الوقت. انطلقنا من مخيم جنين قاصدين الأردن، كنا نسير مع العشرات من العائلات الفلسطينية الهاربة من شبح الموت والحرب .

نسير بغير هدى، كنا على غير هدى محمّلين بالألم والهموم والخوف وشبح الضياع الذي بات يطاردنا. والتقينا على غير موعد مع قافلة عسكرية، حاولنا الركوب في إحدى الشاحنات، صعد أبي إلى الشاحنة وأمسك بيد أمي وساعدها على الصعود إلى صندوق الشاحنة .

وفي لحظة كان يمدّ أبي يده ليسحب جسدي الصغير إلى الشاحنة فاجأتنا طائرات عسكرية بقصف مقدمة القافلة، قصفتنا بمختلف القنابل وتحولت معظم السيارات إلى هياكل من الحديد المفتت، في تلك اللحظة الأخيرة من طفولتي تحركت السيارة التي فيها والداي هروبا من القنابل وبقيت وحدي أصرخ من الأرض المحروقة وأبي وأمّي يصرخان من السيارة المطاردة بالقنابل. لكن الطائرات لحقت بالسيارات الهاربة وزادت من نيرانها والقصف الصاروخي وأصاب صاروخ الشاحنة التي تقل أهلي وقتلتهم.

بقيت وحدي شرقي النهر لا أدري ماذا أفعل، أهيم على وجهي مشردة أحمل بيدي دفاتر أبي ودموع أمّي. كنا عددا من الناجين المتعبين المشردين.

دخلنا قرية نائمة. بتّنا تلك الليلة في ساحة لا نعرف عنها شيئا. كنت اليقظة الوحيدة، لم أستطع النوم خوفا وألما، حزينة على موت والديّ، فقدت كلّ شيء.

خلوت إلى نفسي الصغيرة- سنوات قليلة من عمري عشتها طفلة ثم كبرت فجأة. في ليل بدأت فيه حياتي الأخرى.

حدثت نفسي بصمت طفولي. مسدت على رأسي وشعري المجدول ضفائر. كانت أمي تصنع لي منه كل صباح ضفيرتين تكادان تلامسان ردفي. كانت كل ليلة جمعة تدهنه بزيت الزيتون حتى يطول أكثر. لا أدري من أين حصلت أمي على سرّ هذه الوصفة لكني أعرف أن أمي تمتاز بشعر أسود جميل وطويل.

حديثي مع نفسي الطفلة بدأ من مدرستي التي تركتها في المخيم على أمل العودة. مدرستي ذات البناء الصغير التي تفتح ذراعيها لنا صباحا بعلمها المرفوع على سارية عالية وننشد تحته بفرح:

بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان

فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا

أنظر في كل الاتجاهات، كل الاتجاهات تؤدي إلى الخوف وإلى الرعب، أكرر النظر لعلي ألمح شعاعا من نور أو خيطاً من فرح.

هناك غرب النهر تركت مدرستي. حقيبتي المدرسية. كتبي ودفاتري. اقلامي. جميعها تركتها غرب ذلك النهر. وهنا في هذا الليل، أسير بحثا في هذا المكان الذي اتخذناه مناما لنا. تمشيت قليلا بين الأجساد النائمة حد السبات من التعب. عثرت قدمي بحجارة متراصفة متقاربة. حجارة تشبه البيوت التي كنا نبنيها ونحن نلعب( بيت بيوت).

كانت بيوت صغير، كثيرة. كثيرة جدا. تحسست أحدها إنه مبنيّ على شكل قبر. وكذلك الآخر والثالث آه. إنها قبور وهذا قبر. يا إلهي إننا نبيت في مقبرة دون أن ندري.

الليل ينتصف. وأنا وحدي وسط المقبرة، ماذا أفعل؟ هل أوقظ النائمين؟ لكنهم متعبون جدا. حاولت أن أنام لكنّي لم أستطع النّوم خوفا.

فتاة في أول طفولتها. الطفولة ربيع الحياة. طفلة ما زالت تعقد شعرها بضفيرتين تصحو على حلمها داخل مقبرة.

الطفولة في زمن الحرب مملة وقاتلة.

سألت معلمة التاريخ قبل أن يغتصبوا أمي بأيام:

هل التاريخ مزوّر؟

ضحكت معلمتي الفاضلة وقالت:

- لا.. ولماذا يزور؟

تبسمت شفتاي الصغيرتان وقلت لها:

- لماذا لا يوجد أي شيء عن الأطفال في التاريخ؟ ألم يكونوا موجودين أم أن الكبار يولدون كبارا؟

وضعت معلمتي يدها على رأسي الذي ما زال يلمع من آثار زيت الزيتون وقالت:

- التاريخ يصنعه الكبار. الأطفال- يا ابنتي- لهم حياتهم الخاصة المليئة بالأمل والسعادة والبعيدة عن الألم والمتاعب.

أغمضت عيني، طفلة في السنوات الأولى للطفولة تنام بين القبور. عدت إلى حيث يغطّ الجميع في نوم متعب. وضعت رأسي في حضني وضممت ساقيّ إلى صدري ولففت يديّ حول أذني وعيني.

حاولت النوم لكن الخوف ظل رفيق ليلتي. حتى صاح ديك القرية معلنا يوما جديدا.

أترى هذه القبور. إنها مليئة بالأموات ونفسي كانت مقبرة وذاكرتي مليئة بالأموات..

تصمت كثيرا!

- طلبت مني الاستماع والصمت.

-أتدري أي شيئ جعلني أطاردك. نفسك القلقة. عيونك تشي بأنك دائما قلق كأنك تحمل هموم الدنيا على ظهرك. وصمتك العجيب...

- لا يوجد في هذه الدنيا من لا يحمل هموما.

- الهموم هي التي تحملنا

كلما رأيتك ازددت حبا وعشقا لنفسك الحائرة ولعينيك القلقتين المليئتين بالصمت. الصمت الذي ينطق دون حروف.

حاولت أن ألفت انتباهك نحوي بكل الوسائل لكنك كنت تصمت معي وتذوب أحرفا مع غيري من الطالبات. حاولت أن أهاتفك لكني عجزت عن رفع سماعة الهاتف. قررت ان أجئ إليك فجأة. أيقنت أني إذا جئتك فجأة، ستأتي بلا موعد.

جئتك نظراتي زائغة. عيوني تحكي قصتي من بقايا دموعها. رأيتك وحدك. لأول مرة تجلس تحت شجرات الصنوبر في شارع كلية الآداب وحدك. الجامعة ملك لنا. أنا وأنت. الجامعة فارغة أو بدت لي فارغة. اختفت أصوات الطلبة وظل حفيف أوراق الشجر وزقزقة العصافير رفيقينا.

درت حول المكان الذي تجلس وتدخن فيه. السيجارة في يدك وكوب القهوة أمامك. درت حول نفسي قبل ان أدور حولك. رأيتني. أخرجت السيجارة من بين شفتيك. أطلت النظر إلي بعينيك الصامتتين .لم تتكلم، دخنت بقسوة ورشفت القهوة. رميت بنظرك إلى الأرض مرة أخرى.

إنني ملعونة من بين كل النساء.

بكيت.

سالت دموعي بشكل مفاجئ. دموعي تنسكب بصمت. عاودني الشعور بأني ملعونة. لماذا أتيت إليك؟ كرهت نفسي. تمنيتها قتلت في ذلك النهر وأنا طفلة يوم قتل والداي.

لماذا ألعن نفسي وأبكي؟ أكنت متورطا معي في حبك؟ أكنت متواطئا معي في حلمي وفي همي؟ أكنت تدفعني لحبك دفعا؟

أم كنت تعاقبني يوم قررت أن آتي إليك غصبا لأعترف لك بحبي؟ أهو العقاب؟

لم أحتمل لعنات نفسي وعقابك لي. ينبغي أن أجلس بين يديك وأتحدث. حتى وإن لم تتكلم وبقيت العمر كله صامتا سأثرثر حتى تملكني. ينبغي لحكايتي معك أن تتضح وتنكشف، أمام كل هذه الأصوات التي تساندني، وأمام صمتك وقلقك. لقد آن الأوان لأن يغادرني هذا الحلم. حلمك، وأستعيد يقظتي فإما حبا يسر الصديق وإما رفضا يغيض نفسي وروحي. روحي ونفسي اللتان تفتت أنفاسهما لحظة احتويتني في حلمي وكنت الرجل الحلم.

قلت لك:

- لماذا تستفز نفسي؟ لماذا تثيرها باتجاهك وتتجاهلها؟!

شددت بشفتيك على سيجارتك اللعينة ونفثت دخانها في اتجاه معاكس لاتجاهي فأعاد الريح الخفيف دخانها إلى وجهي.

قلت لك والصمت والسيجارة وكوب القهوة الأبيض يشغلانك عني:

- لماذا تعذبني وأنا؟

رأيت قلق عينيك يتحول إلي في استغراب.

تركتك مسرعة.

خرجت من شارع كنت أدعيه لنا.

أجوب شوارع الجامعة مبللة عيوني بدموع كانت وما زالت رفيقة دربي. أحسست نظرات عينيك جسما ثقيلا رميته على كاهلي. لم أستطع التخلص منه ورميه عن كاهلي.

تمنيت لو أنك تساعدني كي أكرهك في حلمي. لكني كلما رأيتك صدفة بالنسبة لك. ولقاءا مخططا له بالنسبة لي أتسمر في مكاني وقلبي الملعون. كان ملعونا. يتراقص بين ضلوعي غصبا عني.

يظل حلمي يواجه يقظتك ويستسلم لك.

قلت لي إنك بحثت في كل كليات الجامعة في المدرجات وفي كل قاعات التدريس حتى حمامات الطالبات كنت تراقبها. تبحث عني في الباصات النازلة إلى قاع المدينة.

أمسكتني من كتفي. كنا بعيدين عن الطلبة. أمسكتني بيدك بجرأة. التفت إليك جزعة. رأيتك فجأة. شعرت بك تريد أن تضمني إلى صدرك. صرخت بوجهك وقتها. صرخت دون أن أدري لماذا صرخت.

(أبعد يدك عني...)

تراجعت قليلا للوراء وتراجع حلمي معك. خفت أن تتراجع كثيرا. لكنك تقدمت قليلا ومعتذرا.

قلت لي إنك تحبني.

وقلت:

- أحببتك رغم كل شيء. عشقتك رغم جهلي بك. أحببتك لأني أعرف انك تحبينني.

ضحكت قليلا وكنت أود لو أبكي كثيرا.

الآن فقط أدركت معنى صمتك.

ذهبنا معا.

حلمي ويقظتي.

تخيفني ذاكرتي الواسعة والمريضة تخيفني جدا. تجبرني دائما على الخوف. كل الناس يمرضون بالنسيان إلا أنا فمرضي بذاكرتي القوية والمريضة.