-4-
تسير شوارع عمان في كل الاتجاهات وتحيط بكل شي. السيارات كثيرة وجميلة تسير بسرعة كأنها في ميدان سباق، لا شيء يوقفها أو ينظم حركة سيرها، شرطي المرور حاذق بحركة يديه لكن الأبواق ـ أبواق السيارات ـ عالية ومزعجة. أطفال يلعبون أمام المنازل ونساء يشمسن أثاث منازلهن، طفل يجلس وأمامه صندوق وفوق الصندوق يضع رجل قدمه والطفل يحمل بيده فرشاة كبيرة يمسح فيها حذاء الرجل، المحلات التجارية مليئة بالألبسة الرائعة والجميلة والتي كنت قبل تشردي أتمناها. لم تتوقف حياتي على تلك الأمنيات لأني فقدت الأرض وفقدت الأهل وفقدت الوطن. قبل التشرد كانت أمنيات وبعد التشرد أصبحت أحلام مؤجلة لأنه لم يكن لها متسع في ذاكرتي. وكانت أمي تخفف من صدمتي بالأمنيات غير المتحققة.
وكانت تقول لي:
- إن شاء الله في العيد.
ويأتي عيد الفطر ولا أجد الفستان المليء بالأزهار فتقول أمي:
-إن شاء الله في عيد الضحية.
لعمان أسرار تختفي في شوارعها الخلفية وفي قاع المدينة وفي أشجار الياسمين. أسرار عمان تنام معها في عتمة الليل وتصحو على صوت الديكة وأشعة الشمس.
أيقنت لاحقا أن هذه المدينة مثلي يتيمة وأنها عاشت سنوات طفولتها وشبابها في المقابر.
كنا أكثر من عشر فتيات صغار نسكن في غرفة واحدة.
قالت إحدى زميلات الغرفة:
-لماذا لا نهرب؟
كنا في أول طريق الأنوثة، أول خطوة نخطوها على درج المراهقة، كنا نستطيع أن نهرب من دار الأيتام بسهولة ويسر، لكن الى أين نذهب والبلد تحترق. الى من نلجأ ولا أهل لنا.
كانت البداية من الدورة الشهرية.
جاءت إحدى المربيات في دار الأيتام، جاءت في ساعة ما قبل النوم، فتشتنا، طلبت منا الوقوف، أمسكت قلما وفحصت رؤوسنا ، بحثت عن القمل، وجدته كثيرا وكبيرا. لفت شفتيها وأغمضت عينيها وهزت رأسها. قررت حلق رؤوسنا. .شعري وصل إلى منتصف ساقيّ، شعري تحبه أمي وتعشقه.
أمرتنا بخلع ملابس النوم. بدأت بالقميص ضحكنا من منظر أثدائنا الصغيرة. صرخت فينا.
صمتنا رعبا.
كنا ما نزال في اللباس الداخلي أمرت أول طفلة بخلع سروالها الداخلي فحصتها بعصاها. جاء دوري، خجلت من طريقة تفتيشها لنا، طلبت مني أن أستدير، رأت بقعة حمراء على سروالي.
صاحت:
- ما هذه الدماء؟
خفت جدا.
صرخت في وجهي مرة أخرى وقالت:
-ضعي شيئا لهذه الدماء. أيعجبك هذا المنظر؟
لم أدري ماذا تقصد. بكيت جدا وتساءلت:
- من أين جاءتني هذه الدماء.
في المساء امتلاءت ملابسي باللون الأحمر، دماء كثيرة، لم تعد البقعة الحمراء على مؤخرة سروالي الداخلي فقط ، انتشرت على ملابسي وبللت منامتي وفرشتي، لا أعرف كيف أتصرف. زميلاتي في الغرفة صرخن رعبا من المنظر وبكين جميعا.
جاءت المربية تحمل بيدها العصا وقالت بعنف:
- لم تصرخن؟
صمتنا خوفا.
تجولت بيننا.
صرخت:
- أسألكن لماذا تبكين وتصرخن؟
أشارت إحدى الزميلات بخوف إلى الدماء.
اتجهت نحوي. وضعت العصا التي تحملها بين فخذيّ وباعدت بينهما وقالت:
- هذه دماء الدورة الشهرية. ضعي فوطة بين رجليك. غطي.غطيه.
وضربتني على مؤخرتي وقالت:
- كوني نظيفة.
تساءلت طوال الليل عن مصدر الدماء. لماذا ينزف الدم مني؟ وماذا تعني بالدورة الشهرية. لا يوجد من يرشدني؟
فكرت بالهروب من الدار بشعري الطويل وأنا أعلم أن أحدا لن يفكر بأن يبحث عني.
غاب عني الليل ووحشته وألم الوحدة وقسوتها. لم أكن أظن شوارعنا مزروعة بالوحوش. أنا طفلة ومن يعبأ بطفلة مثلي. سيحنو علي ّاحدهم ويدخلني إلى منزله، فأنا يتيمة وأ ستحق العطف.
حدثت رفيقاتي عن الهرب.
قلت:
- يجب أن نهرب
-إلى أين؟
- إلى الجحيم. من الجحيم.
وقررت الهرب تحت أصوات الرصاص، وعرضت نفسي لليل الشوارع. ربما أجد من يحنو على طفولتي ويمسح على رأسي الصغيرة .