1
لا يوجد بالمكان سوانا.. أنا وطيفك.. وسرب من طيور النوارس التي تزخرف ببياضها الشاطئ الرملي والصخور المجاورة كعادتها.
الوقت صباحا من يوم خريفي بارد، بالرغم من صفاء الجو وشروق الشمس التي حولت زرقة البحر الهادئ إلى بياض صافي يوحي بالبوح وغسل الذات من كل الأدران.
أجلس بالمكان نفسه، فوق الصخرة عينها. والأمواج المترادفة المتدافعة هي هي، لم تتعب ولم تكل.. ومع أننا لا نسبح في نفس النهر مرتين، فمن يدري قد تكون المياه نفسها حاضرة بالرغم من مرور عقدين ونيف من الزمن على ما حدث.
وأجدني أهمس لك بكلمات. بل أكتب لك بأحرف مرتعشة أوراقا لا أعلم هل ستقرأها يوما، لذلك سأكتب وأكتب..لأقول لك بداية:
ـ صباح الخير يا سيدي،
أو لأقول:
ـ مساؤك سعيد،
لأني لا أعرف متى ستشرع في قراءة هذه الأوراق التي لا أعلم متى سأنتهي من كتابتها.
على أية حال؛ طاب يومك، وأتمنى أن تكون في أفضل الأحوال.
وأجدني يا سيدي، أحط رحالي بساحتك، لأبوح لك ـ وقد قاومت رغبة الاتصال بك سنوات طويلة ـ نعم، قررت أخيرا أن أستسلم لنداء ظل يراودني كل هذه الفترة، بل بالأحرى قررت أن ألوذ من طيفك الكامن بأعماقي الحارق لمهجتي، لاجئة إليك بعدما هربت منك بمحض إرادتي، مدفوعة بعناد سكنني طويلا، لا لشيء إلا لأعاقبك عن جرم لم تكن على علم به، لكنني وللأسف كنت أعاقب نفسي معك، بل ـ من يدري؟ ـ ربما عاقبتني دونك..
قد تتساءل من هذه التي اقتحمت حياتك بهذه الصيغة وبهذه الجرأة؟
نعم. وتساؤلك مشروع، لأني أعرف أن المرأة ـ أقصد ـ الكثير من النساء يغشين حياتك بشكل لن يجعلك تتذكر أو تستحضر امرأة انفلتت منك، ربما سقطت من ذاكرتك سهوا ومنذ زمان؟
من هذه التي قررت أن ترتمي في حضنك وهي عارفة أن هذا الحضن ملجأ لأنثى أخرى هي زوجتك؟
امرأة تشتهي معانقة حياتك وهي مدركة أن هناك الكثيرين ممن يتعلقون بك من قريب أو بعيد.
لكن يا سيدي، لي من الجرأة بأن أفعل ما أنا مقبلة عليه، ولي من الحق، بل من الحقوق ما يشفع لي باستردادك، أو على الأقل ـ باستعادة جزء نزر منك، حتى وإن جاء هذا متأخرا وفي الوقت بدل الضائع..
قد يفزعك كلامي، وتظن بي الظنون، بل قد يجتاحك الرعب خوفا من أن تفقد الاستقرار الذي تنعم به بين أفراد أسرتك.
اطمئن يا سيدي، أنا ما قررت الظهور لأهدد استقرارك، أو أدمر بيتا ظل متماسكا أزيد من عقدين من الزمن، لن أقتحم حميميتك بأي شكل من الأشكال، بل أؤكد لك لن يراني غيرك وفي اللحظة التي تريد، لا لأنني شبح لا يرى، وإنما لي من الحكمة ورباطة الجأش ما يجعلي منضبطة في تصرفي، أعرف حدود المنطق والمباح، وأرى الخطوط الحمراء التي وضعتها بنفسي ـ قبل أن تضعها أنت ـ حول عالمك ومنذ الوهلة الأولي التي شاء القدر فيه أن يفرق بيننا، أيضا أنا امرأة ذات كرامة وكبرياء وعزة نفس، لا تقبل أن ترتمي على أقدام رجل مهما كان بالنسبة إليها.
إن لم تكن قد عرفتني بعد، فأنا امرأة تصغرك بثلاث سنوات، وهو فرق كنت تعتبره مثاليا بين رجل وامرأة، إنني الآن قد تجاوزت مرحلة الخصوبة مع أنني لم أثمر إلا مرة واحدة بفضل بذرة منك، وفي ظروف جد ملتبسة إلى حد الانتشاء. كنتُ خلالها تحت تأثير مخدر سرق مني الحكمة، ولم يأخذ مني انتباهي ويقظتي، نعم يا سيدي، لم أكن أثناء تلك اللحظة الوردية ـ أو بالأحرى ذات ظلال رمادية ـ فاقدة للوعي، ولكنني كنت قد سلمت عنان ذاتي للرجل الذي ألغى من حولي كل الرجال عن طيب خاطر.. وإلى ..إلى الأبد.
آسفة، سأترك هذا الكلام لأوانه، لأنني ما أردت القفز على المراحل والانزلاق في دروب الاستطراد المتشعبة، وأنت تعرف "الحديث ذو شجون " وتجاذبات قد تنجرف بك إلى حيث لم تتوقع..
قلت إنني امرأة في سن الخمسين، أعرف يا سيدي، أن الرجل يبقى رجلا وهو يرنو نحو المرأة بعين الذكر، وتبقى المرأة أنثى متوجسة من نظرات الرجل الفاحصة حتى ولو اجتاحتها غيوم الخريف وشحوبه.
إنني ما عدت قريبة من المرأة التي هربت منك ذات ليلة من مقصورة القطار بعد لحظات فقط من عثورك عليها من هروب سابق دام عقدين من الزمن. أنا المرأة التي أمضت زهرة عمرها هاربة من قدرها، هاربة من رجل هو أنت، ولكنني كنت كمن تفر من ظلها، فقد كنت أحملك بين جوارحي، كنت كمن تهرب من حقيقة تدغدغ عقلها يقظة، وتراود في أحلامها غفوة، ولم أتساءل ـ ولو مرة واحدة ـ لمَاذا أفر منك؟ لمَ العناد؟ ماذا كان سيحدث؟ بل كيف كنت ستتصرف نحوي ونحو ما كنت أحمله بين أحشائي، والذي سيملأ حياتي بعد أن غشاها رغما عني؟؟
أنا المرأة التي كانت تحيى في ظلك قريبة وبعيدة، أجبرتها دون أن تدري على الارتباط بك ارتباطا أزليا غير مشروط، وظلت وفية لذلك، وأمست كذلك.. فما اللحظة الآنية إلا أطياف من مساء هيمن بظلاله الدكنة قبل الأوان!
هل عرفت من أنا أم مازلت تبحث بين أرواقك عن امرأة أضعتها بغفلتك وبخوفك وترددك، وقد أودعتها كنهك سهوا؟!
أعرف أنك عدت يوما لدارنا بتارغة تبحث عني بعد اختفائي، ولكن سؤالك جاء متأخرا، ما كان لينقذ سمعتي وانتشالي من اليم الذي ابتلعني.
لعلك تألمت لحظة معرفتك لمصيري الذي ظل ملتبسا عند الجميع بما فيهم أبي، وربما كانت آلامك مضاعفة لأنك اكشفت أن التي اختفت فعلت ذلك صونا لك، وخوفا عليك بدافعين اثنين؛ أن تضعك أمام أمر كان هو فوق طاقتك وقتها، فهل كنت ستتحمل عبء امرأة والبضاعة التي بين أحشائها؟ وأيضا خوفا من تكسير صورة أردتُ أن تبقى في خاطري مكللة بالثقة في رجل منحته نفسي بمحض إرادتي..
°°°°°