2
لن أجهد ذاكرتك في البحث عن هويتي، فقد آن لك أن تعرف أن التي تكاتبك هي زينب بنت الرايس امحمد الصافي!
نعم هي بذاتها! قد تكون صدمتك شديدة وأنت تعرف هذه الحقيقة، لكن لا عليك. لن أترك القلق يستبد بك، والحيرة تذهب بك بعيدا، فأنا ما عدت الآن لأحاسبك، فلم ترتكب جرما يتطلب المحاسبة، وحتى وإن فكرت في ذلك، فإن القانون يمنحك حق التقادم مضاعفا...
وما عدت لأثقل كاهلك بأمر هو فوق طاقتك وتحملك، فكل الأوزار تحملتها دونك، ومنذ سنوات خلت، وإنما عدت أو بالأحرى ظهرت الآن لأضعك في الصورة، لأحملك بعض المسؤولية المعنوية فقط، ما دمتَ الورقة الاحتياطية الوحيدة القمينة بملء الفراغ المحتمل قريبا.
سيدي، بل أقول الأستاذ جمال، إن الدهر يفني الخطوب كما ينحث الصخور، ويذيبها فتصير صغيرة، وقد تتلاشي وتندثر، وما كان بيننا قد مر عليه وقت طويل، كفيل بتذويب كل الكروب، ولكن هناك أمورا لا يستطيع تفكيكها، ولا التأثير فيها خاصة حينما يتعلق الأمر بهوية الناس وانتمائهم، نعم يا أستاذ، هذا ما بقي عالقا بيننا طوال هذه السنين، الهوية والدم، أقصد النسب، فأنا ما عدت أتحمل وزر نسب مزيف، وليس بالعمر ما يكفي للمزيد من الآثام، وأنا أعلم حقيقته وشاهدة عليها، وقوله عز وجل يتردد بداخلي:
" ادعوهم لآبائهم هو أقرب للتقوى"
لعلك أدركت الآن عما أتحدث، نعم أتحدث عن فلذة كبدي، والذي هو من صلبك، سواء أحببت أم أبيت، والله شاهد على ذلك، لا تنزعج ولا تقلق، إن شئت دع هذه الأوراق الآن، وخذ كأس ماء أو قرصا مهدئا، ثم واصل القراءة بعد ذلك، فليس من الهين أن يصير للرجل ابنا في عقده الثالث، وهو لا يعلم بوجوده من قبل..
آه.. ربما عرفت، أو شعرت أو خمنت، أو على الأقل أخذتك الريبة في الأمر. ففي ذلك المساء، وعبر نافذة القطار بمحطة طنجة، كانت عيناك تحدقان به، وكأنك قرأت في ملامحه شيئا هزك من الأعماق، وكانت تلك النظرة المريبة الصادرة منك نحو ولدي هي التي كشفت لي هويتك، لأدرك أنني أشارك جمال الأحمدي المقصورة نفسها، نعم يا أستاذ، التقت عيونكما لثوان قبيل تحرك القطار، كان قلبي لحظتها يكاد ينفطر بين جوانحي خوفا من اكتشافك للسر الرهيب، للحقيقة التي أردت أن تبقى خفية على ولدي أولا.
علك تتساءل عن سبب ظهوري في حياتك من خلال هذه الأوراق وفي هذا التوقيت بالذات؟
أعرف أن ظهوري سيفجر بعقلك ألف سؤال وسؤال، وأنا بدوري لن أتركك تسبح في بحر من الحيرة والارتباك، لن أكون بخيلة معك، ولن أخفي عنك أية معلومة مهما كانت هامشية وصغيرة منذ اللحظة التي أقلتك السيارة مغادرا "تارغة" في ذلك الصباح الربيعي سنة 1984 ..
فلا زلت أذكر تفاصيل ذلك اليوم والأيام التي تلت لحظة بلحظة، وإن شئت سردتها عليك بدون ملل أو كلل، أذكر أنك كنت ساعتها فرحا بالعودة لأهلك سالما معفى بريئا من التهمة التي جاءت بك إلينا فارا مذعورا مختفيا، كنت وقتها أراقبك من شرفة بيتنا، وقد أدركت أنك تعمدت عدم الالتفات إليّ حتى لا أرى في عينيك كآبة الفراق، وحرقة النوى الذي حل بيننا والذي سيهيمن وقتا ما كنا آنذاك مدركين مقدراه.
كنت مثلك ضعيفة لا أحتمل بعدك، ولعنت حظي إذ التقيت بك، وكنت أقول لنفسي:
"لماذا اللقاء مادام محكوما بفراق مر كالعلقم، محرق كاللظى؟ّ"
ثم غبت بغياب السيارة بين التلال والمنعرجات، وأضحت تارغة مدلهمة في عز النهار، ولكنك لم تغب، وما كنت لتغيب ولو لحظة واحدة عن خاطري، ظللت كامنا بذاتي، حاضرا في فكري ووجداني لا تختفي ولا تأفل، وقد لاحظت والدتي ما أصابني من اكتئاب وحزن وذبول بعيْد سفرك، فحذرتني من مغبة اكتشاف والدي للحقيقة التي كانت هي أعلم بها، كنت أتردد كل مساء على الصخرة التي شهدت بعضا من قصة حبنا، أجلس هناك لحظات استرجع خلالها ما كان بيننا خاصة في تلك الليلة الباردة التي حولها حضنك إلى دفء عارم غمرني وأنعشني، كنت أتذكر كل كلمة قلتها لي، وتذهب بي الذكرى إلى اللحظة التي كنت فيها لك، وكنت لي.. سويعات قبل سفرك ..
إلى أن اكتشفت أني أعاني من أعراض الحمل، فأصابني الذهول لهول المصيبة التي أوقعت نفسي فيها، وبدأت كورة الثلج تتدحرج وتكبر، حتى تحولت إلى كتلة حجبت عني ضوء الخلاص، وحدث أن اكتشفت أمي حقيقتي، فتعقد الأمر أكثر، كنت أحس بها تتألم لمأساتي، خصوصا خوفها من رد فعل والدي، لو عرف. ضاق بي الكون، واسودت الدنيا في عيني.. "يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا"، استحضر موقف السيدة العذراء، ولكن شتان بين موقفها وموقفي!بين عفتها وخطيئتي!
فقررت أن أريح أهلي وأستريح، ولم يكن أمامي إلا التخلص من نفسي، أجل حكمت على نفسي بالموت، على أن يُفتضح أمري، وأشوه سمعة والدي وأمرغ وجهه في التراب. بل والمؤكد كنت خائفة عليك، خائفة أن يعرف والدي أن الفتى الوديع الذي حماه من الاعتقال، ودسه بين آل بيته ذئب مفترس خائن، لم يتورع من هتك عرض ابنته.
قد تتساءل ما الذي جعلني لا أتصل بك، فالأمر أمرنا نحن الاثنين والخطب خطبك كما هو خطبي، ولي نصيب من المسؤولية لأننى كنت مصرة ليلتئذ، لكنك استسلمت لإصراري، وراقك ما قدمته لك، لذلك كنت شريكا بالمساواة؛ ولكنني كنت أدرك أنني سأدمرك إن أقحمتك في الموضوع، فقد كنت عاجزا على مواجهة خطب مثل الذي كنت أحمله، بصراحة التمست فيك هشاشة ما كانت لتساعدني بقدر ما كانت ستضاعف من مشكلتي؛ سيما وقد كنت طالبا لا تزال، تأخذ مصروفك من والدك. ففضلت أن أتركك بعيدا، قلت في نفسي لينجو أحدنا على الأقل، تضحية مني أليس كذلك!؟
وهذا الكلام لا أقوله منةً بل تذكيرا بالمكانة التي حملتها لك في صدري. فليس من السهل أن تفرط امرأة في رجل منحته قلبها، وسلمته ذاتها عن طيب خاطر. وليس من السهل أيضا أن تجعل منه قربانا لتنجو بجلدها.
في الليلة الموعودة تسللت من بيتنا خفية وقصدت الصخرة نفسها، وكأنني أعيد ما كنت على وشك فعله قبل ذلك، ولكنك لم تكن هناك لتمنعني هذه المرة..
وقفت فوق الصخرة أراقب الموج الصاخب المزمجر، وكأنه يرغمني على التراجع، وكأنه أبى أن يتلوث بدمائي التي ستراق بين صخوره الناتئة، كنت استجمعت كل قوتي، وابتهلت لله أن يغفر لي ذنبي الذي لا ذنب أكبر منه، وألقيت بنفسي في الماء، كان وجهك وأنا أقفز آخر وجه مر بخاطري!
°°°°°