3
قلت استجمعت قوتي وألقيت بنفسي في اليم!....
كانت تلك هي النهاية التي اخترتها لنفسي، أو بالأحرى أُرغِمت عليها، وأراد القدر أن يمنحني حياة جديدة بدأت لحظات بعد ذلك، فقد فتحت عيني لأجدني بعمق مدلهم، يحيطني الفراغ والسكون، كنت أغوص وأغوص نحو قرار لا حد له. ومن دون توقع بدت لي هالة من نور وردي كنت أنت مصدرها، كنت مشعا كالقمر في قلب الدجى المائي، رأيتك تسبح نحوي، تقترب وتقترب، ثم صرت لصيقا بي ضممتني إليك، أحطتني بيمناك، وضعت فمك فوق فمي، خلتك ستقبلني، ولكنك كنت تمدني بالهواء، ثم انطلقت بي نحو الأعلى حتى طفونا معا فوق سطح الماء، دفعتني نحو الشاطئ حتى تمكنت من التشبث بصخرة قريبة، حدث ذلك في لحظات خاطفة، لم أتمكن خلالها من استرجاع أنفاسي، كنت أشهق بعسر شديد. لما استرجعت شريط ما حدث، التفت حولي أبحث عنك، لكنك لم تكن هناك، انتظرت ظهورك وقتا إضافيا، بيد أنك أبيت أن تنجلي لي بهالتك تلك أو بدونها، كنت كحلم، أو وهم، ولكني رأيتك، أحسست بذراعك تحيطني وبشفتيك فوق شفتي تشعرني بوجودي ووجودك، إن لم تكن أنت من أعادني إلى الحياة، فمن يا تراه كان؟!
كانت هالة نورك كافية لأتأكد من ملامحك التي لن تخفى عني حتى وإن كنت في قلب العتمة، لكنك للأسف أبيت إلا أن تعود إلى لعبة اختفائك وبإصرار.
آه منك يا جمال!
واعذرني لرفع الكلفة بيننا..
كنت وللمرة الثانية تقف دون موتي، ولكن وأصارحك القول؛ في المرة الأولى كنتُ قد رأيتك جالسا فوق الصخرة، فأردت أن أمتحنك، أن أعرف مقدار حبك لي، أن أعانق خوفك عليّ، وذلك ما حدث، وفي المرة الثانية لم يكن أمامي إلا سبيل الخلاص من ذاتي.. لكنك أبيت. كنتَ مصرا على مواصلتي للحياة لغاية ظلت خفية عني وعنك. هل كان الجنين الذي ببطني سببا في عودتي إلى الدنيا، لأن الخالق قدر له الوجود والعيش في عالمنا، ولا مرد لقضائه، أم أنه عز وجل عصمني من خطيئة قتل النفس، ومنحني فرصة التطهر من خطيئتي الأولى معك؟
مرت لحظات وأنا أرتجف وأقاوم لطمات الموج المتدافع على الصخرة، ثم تسلقت رويدا رويدا حتى استويت بمكان آمن في منآى من الموج الصاخب...
...كانت النيران تلتهم كل البيت ب"ظهر العرعار"، تقترب مني وأنا في فستان العروس، تكاد تحرقني كنت أفر من لهيبها المستعير، لكن المرأة المجنونة تصر على ملاحقتي آخذة قبسا ملتهبا تلوح به على وجهي، كانت تقترب وتقترب، باتت أهذاب فستاني مشتعلة، أحاطتني ألسنة النيران من كل جانب، ثم رأيتك تنقذني مرة أخرى، كنت تصب علي دلوا من الماء، أحسست ببرودة شديدة لكنني نجوت من الحريق..
فتحت عيني لأجدني بمكان مدلهم، يعمه الفراغ والسكون إلا من هدير الموج المتلاطم بالصخور والذي يعلن أن البحر لازال قريبا يبعث هواء رطبا مفعما بملوحة لا تخطئهما خواشمي.. كان جسدي باردا بالرغم من اللحاف الذي يلفني، مر وقت طويل بعد يقظتي، تبينت شعاعا خفيفا يتسرب من بعيد، فاكتشفت أنني بكهف من كهوف الشاطئ الصخري، فشدني العجب كيف دخلته دون أن أدري، أو بالأحرى لم أعرف من أوصلني إلى هذا المكان الموحش، وما كان موحشا بالقدر الذي كنت أحسه من فظاعة موقفي، والمأساة التي دفعتني للتخلص من نفسي، فهل كنت سأخاف وحشة العتمة، أنا التي لم يخفها الموت نفسه؟ وماذا بعد الموت من مكروه؟ هكذا فكرت وقررت وأنا أواجه مصيري الجديد بشجاعة امرأة عانقت الموت مرة، وذاقت مرارة الانتحار أو بالأحرى مرارة دوافعه.
لم يكن اللحاف الذي احتواني كفيلا بتدفئتي، فقد كنت أرتعش، إلى درجة اصطكت معها أسناني، ثم اكتشفت أنني عارية بالكامل، فقد اختفت ملابسي أثناء غفوتي، فشدني رعب إضافي لهذه الحقيقة الصادمة، تصور معي يا أستاذ، كل شيء تقبلته إلا أن أكون امرأة عارية، فما أبشع أن تصير المرأة عارية عريا حقيقيا بكهف مدلهم قفر! فقد جن جنوني أن يكون رجل ما عبث بجسدي الذي أردته مسجيا أو بالأحرى طعاما للأسماك على أبشع تقدير، أما أن يكون مرتعا ينهشه جوع رجل، وأنا في حالة إغماء فذلك ما رفضته رفضا قاطعا، ودفعني للتفكير في العودة إلى الماء لأغتسل من فضاعة خطبي!
كنت متيقنة أن إنسانا ما حملني من ظهر الصخرة، وجاء بي إلى هذا المكان، وهو نفسه من جردني من ملابسي، ولفني بهذا اللحاف الحقير، ومن المؤكد أن جسدي كان له مستباحا، وبدون قيود أو موانع، فعلى الأقل كنت فرجة لعيونه النهمة، من يدري؟!
كنت أفكر في الأمر بقلق شديد، لكني كنت عاجزة عن مغادرة المكان، فقد أحسست أني منخورة القوى ضعيفة لا أستطيع الحراك، ثم أدركت أن البرد الذي يجتاحني كان من فرط الحمى التي أصابتني، ثم اكتشفت أن جسدي مثخن بالجراح والخدوش الخفيفة، كانت وخزات الألم تعم بدني.
وكانت مفاجأتي كبيرة وغير واردة في الحسبان، فكان آخر شيء أفكر فيه هو أن تكون المرأة التي أهلت بطلعتها بباب الكهف هي والدتي الست خدوج!
كانت تحمل في يدها صرة تضم بعض الملابس وبعض الأطعمة ولحافا إضافيا وأنبوب مرهم، جلست إلى جانبي، وضعت يدها فوق جبيني وتمتمت:
ـ لا زلت تعانين من الحمى، لكن لا بأس ستتحسن صحتك بالتدريج.
كنت أراقبها في ذهول وحيرة. قلتُ بلسان واهن:
ـ من أتى بك أمى، إلى هذا المكان؟
ردت في حدة:
ـ بل قولي من أتى بك أنت إلى هنا؟! لكن لا أهمية لسؤالك، ليتك لم تفعلي فعلتك الكبرى، أما محاولة انتحارك فمشيئة الله تتصرف. أكنت تظنين أنني غافلة عما أنت فيه؟! أكنت تظنين أنني سأتركك تواجهين مصيرك وحيدة؟!
أطرقت صامتة، ثم أصعدت زفرة حارة، وأضافت:
ـ فعلتها في المرة الأولى، كنت مدركة مطلعة عما حدث، بل لا أعرف كيف تغافلت عنكما، ربما كنت مرتبكة بفعل ما أصابك من ضرر بظهار العرعار، أما أن أتركك للموت فأنا أم، ليتك عرفت بحق الأمومة!
ـ أنت من أنقذني؟
ـ اسمعي، لا وقت لمناقشة مثل هذه الأشياء، لا أريدك أن تفكري كيف ومن أوصلك إلى هنا، أما وقد نجوت؛ فعليك مساعدتي لأصل بك إلى بر الأمان.. أنت اخترت لنفسك هذا المصير، وعليك مواصلة الرحلة إلى نهايتها، الناس يعرفون أنك اختفيت وربما انتحرت، ولكن لا أحد يعرف الدوافع الحقيقية لتصرفك، هناك أمر قد غاب عنك، نعم يا زينب! ما حدث لك قبل شهور بظهار العرعار هيمن بظله، يقولون:
ـ زينب أصابها الجنون بسبب الحريق ليلة زفافها !
ـ لا أحد سيشك في شرفك وعفتك وطهارتك، أو على علم بقصة جمال الأحمدي. فهمت الآن كيف سيتغير مجرى الأحداث؟ أبوك أصيب بفجيعة فقدك، مسكين! فكيف سيتحمل فقدان ثلاثة أولاد دفعة واحدة؟ لكن اللهم مرارة الفقدان، ولا مرارة هتك العرض وتدنيس الشرف، ومصيبة الحمل الحرام الذي ببطنك!.
أطرقت قليلا وقد بدت على ملامحها الستينية آثار التعب والحزن والألم ثم أردفت:
ـ لعل العناية الربانية كانت أقوى من رغبتك في الموت، وإلا لما تمكنت من الخروج من بين الأمواج، وعدت إلى الشاطئ الصخري، بل حفظك الله من الوقوع فوق الصخور المسننة، فالمكان ـ وكما تعلمين ـ مليء بها!
لاح لي لحظتها طيفك المكلل بالهالة النورية وأنت تخرجني من الماء، فهمست:
ـ يا إلهي، إنه جمال!
ـ ماذا؟
لكنها لم تتمكن من التقاط اسمك جيدا.
كانت لحظتها تضمد جراحي بالمرهم، وقالت:
ـ رباه كيف تشوه جسدك! لكن لا عليك إنها جروح سطحية سرعان ما تزول.
لما انتهت من الدهن مدتني ببعض الملابس، وطلبت مني ارتداءها، ثم هبت واقفة:
ـ أنا سأعود إليك لأحضر لك الطعام وأطمئن على صحتك، إياك ثم إياك أن تغادري هذه المغارة.
أصدقك القول يا أستاذ جمال، كنت أشعر دائما أن والدتي امرأة عظيمة، ومن طينة مختلفة عن النساء اللائي يحطن بها، ولكن عظمتها وقتذاك زادت وكبرت في عيني، فوجدتني أقبل قدميها بحنان وامتنان وإعجاب امرأة مقهورة بامرأة هي أمها وجدتها إلى جانبها وقت الضيق.
فليرحمك الله يا ست خدوج! يا أمي الحنون! للأسف كان موتها في غيابي، وكان حزني عليها مرا علقما، لفقدها، وللوعة النوى الذي وقف دون رؤيتها سنوات وهي على قيد الحياة.
والحقيقة التي أدركتها فيما بعد أنني كنت في أعماقي بحاجة إلى حياة جديدة، بالرغم من إصراري على معانقة الموت، كنت بحاجة إلى وقت إضافي أنعم فيه بلذة الحياة، بالرغم من أن الحياة كانت بالنسبة لي أمر من العلقم، فلا زواجي الثاني كان موفقا، ولا حبي للرجل الذي ملك مشاعري كان مباحا!
أمضيت بالمغارة خمس ليالي كاملة، كانت أمي تتسلل إلي خلالها قبل الفجر، تحضر لي بعض الطعام وتعمل على تضميد جراحي، خاصة تلك التي كانت بمكان لا تصلها يدي، ولكن الأهم ما كانت تأتي به هو ما كان يروج بالقرية حول اختفائي.
كان حزنها شديدا وهي تروي لي كيف واجه والدي الصدمة، هو الذي لم يكن قد نسي ـ وما كان لينسى ـ غياب أخوي السعيد والهاشمي في ظروف غامضة قبل ذلك بشهور. فقد أبى أن يغادر حجرته، بعدما يئس من وجودي على قيد الحياة، وأعرض عن استقبال كل من أتى إليه مواسيا أو مستفسرا. ولم يجد عن الاعتكاف والصمت بديلا.
كانت تروي ما يحدث بقلب دامٍ وعقل مشتت، وضمير معذب، لأنها ـ حسب قولها ـ تركته يعاني مرارة الفقدان دون أن تطلعه على الحقيقة، ثم أضافت:
ـ اللهم عذاب الفقدان، ولا مرارة مذلة هتك العرض وتدنيس الشرف! أما مصيبة حملك فتلك هي الضربة القاضية!.. أبوك لن يرفع رأسه بين الناس لو عرفوا ما فعلته، هل سيبقى الرايس امحمد سيد البلدة وهو لم يعرف كيف يصون شرفه أولا؟!
رددت ما قالته مرارا وكأنها تجلدني به.
ولما سألتها عن المصير الذي ينتظرني، قالت:
ـ لا تتعجلي، دعيني أفكر وأتدبر الأمر بهدوء، لا أريدك ان تخطئي مرة أخرى.
وبالفعل جاءتني في الليلة الخامسة حاملة جلبابا أسود، وقالت:
ـ ارتدي هذه ولفي رأسك جيدا، لا أريد أن يتعرف عليك من يراك.
فعلت ذلك، ثم خرجت وراءها تحت نور قمر في ليلة صيفية هادئة.
كانت حالتي شبيهة بحالتك ليلة قدومك إلينا هاربا متنكرا، كلانا كانا ملفوفا بجلباب، وكلانا يقوده رفيق يخاف عليه، أبوك وأمي! فيالسخرية القدر، أنت كنت تهرب من تهمة لو ألصقت بك لحولتك إلى بطل وطني مناضل، وأنا لو كشف أمري لرجمت بخطيئة الزنا ولو رجما معنويا !
كانت المغارة بمكان غير بعيد عن القرية، ولكنه في موضوع يصعب الوصول إليه، بل استغربت كيف لم يخطر على بال الباحثين عني الوصول إليه، سلكنا طريقا وعرا صاعدا بين الأحراش، ثم انتهينا إلى الطريق الرئيسية، كانت هناك شاحنة صغيرة من الصنف الذي تنشط في نقل الأسماك، وصلنا إليها، كان بداخلها رجل بين النوم واليقظة، لكنه سرعان ما انتبه لقدومنا ثم هب مرحبا، سمعت أمي تقول:
ـ لا تتوقف يا ولدي إلا بالمدينة!
ـ نعم يا خالتي خدوج، لن يكون إلا ما تريدين.
ـ لن أوصيك يا عبد السلام مرة أخرى، لا أريد أن يعلم أحد بما جرى!
ـ أجل أجل، سركما في بئر، لن يعرفه أي انسان.
كانت لحظة فراق أمي مؤثرة، عانقتها بحرارة، دعت لي بالسلامة والتوفيق والهداية، لم تذرف دمعا، ولكني أحسست بها تبكي دما، أوصتني بنفسي خيرا، وألحت في ذلك، ثم أكدت لي أنها ستزورني في أقرب فرصة، ولكن للأسف لم تسمح لنا الظروف بلقاء آخر، فقد وقف الموت بيننا إلى يوم القيامة!
°°°°°