4
لم أكن أعرف عبد السلام هذا من قبل، ولكن الحقيقة تقال، اطمئن قلبي له منذ الوهلة الأولى، كان شابا فوق الثلاثين، بدا لي في العتمة مقبول الهيأة بشوشا، لم يكن ثرثارا أثناء الطريق، ولا صموتا منفرا، قالي لي بوداعة:
ـ نامي قليلا، فالطريق لازالت طويلة ووعرة.
حاولت ان أستجيب لنصيحته، ولكني لم أوفق، فقد كان رأسي يغلي كالقدر من أفكار شتى، والغريب بعد كل هذه المعاناة كنتَ حاضرا معي، والأغرب أني لما وصلت إلى تخوم مدينة تطوان شدني الحنين لرؤيتك، وتمنيت بالفعل رؤيتك، هناك سألت عبد السلام عن حي سيدي طلحة الذي أخبرتني أنك تقطن فيه، فقال من دون تردد:
ـ نحن نقترب منه.
ثم أضاف في مكر:
ـ من لك به!؟
ـ لا أحد، فقط أريد أن أعرف.
كنت كمن يخفي الشمس بالغربال. ولكن هبه عرف، بل كيف سيعرف شابا من المؤكد كان ساعتها نائما في فراشه الوثير بإحدى الدور الكثيرة والكثيرة جدا، كنتَ كإبرة في قش فكيف العثور عليك؟ بل كيف السبيل إلى معرفة أين تقيم؟!
قيبل الفجر كانت الشاحنة تقف بجانب زقاق ضيق ينتهي بأدراج أضيق، بحومة عيساوة المتاخمة لحي جامع مزواق المترامي الأطرف غرب المدينة، كما عرفت فيما بعد، تركني عبد السلام بالشاحنة ودخل الزقاق، غاب للحظات ثم عاد برفقة امرأة ذات وجه بشوش، قصيرة القامة مكتنزة.. اقتربت مني وقالت في لطف:
ـ انزلي يا ابنتي، مرحبا بك،
أضاف عبد السلام:
ـ هذه خالتك أم كلثوم.. قريبة والدتك، عند هذا الحد تكون مهمتي قد انتهت.
لم يكن في وسعي سوى مرافقة المرأة إلى بيتها، بينما غادر عبد السلام في اتجاه سوق الأسماك بالجملة، كما صرح لي قبل ذلك.
هكذا بدأت مرحلة أخرى من حياتي التي لم أسطر خطوطها، فقد أصبحت في بلدة غير بلدتي، وبين أناس غرباء لا عهد لي بهم، وببيت ليس بيت أهلي.
لم تكن مشكلي في مكان الإقامة، ولا في المحيطين بي؛ بل كنت أفكر في الذي ببطني، كنت خائفة حائرة كيف سأخبر مضيفتي بحقيقة ما أخفيه؟ لكنني اكشفت فيما بعد أن والدتي قد عبدت الطريق عن بعد وأخبرت المرأة بوضعي، لكنني لم أعرف ما قالت لها بالضبط، وكيف ستعمل المرأة على مساعدتي في مواجهة ما هو آت لا محالة؟
°°°°°