-2-

5 0 00

-2-

لقد بتَِ ليلتك تلك تسرحين في المجهول الذي يتعقبك..

وقفتِ في اتجاه النافذة لتضعي حدا للفح نسمات بداية خريف باردة..

تغلقين الزجاج و تسدلين الستائر..

ثم عدت لتقتسمي و شعبك آخر ساعات لآخر بطلة..!

ليس فيلما شهيا تشرئب له الأعناق أو حصة منوعة لأغان ساهرة..

ليس عرسا لفولكلور يخلد حياة "الفيكينغ" أو " الصامو"..

ليس لقاءا للمجاملات في بلاط الملكة..

أو عرضا أخاذا اعتاد التلفزيون أن يغطي احتفالياته في رواق الأميرة..

لا..

ليس هذا و ليس ذاك..

إنه نهاية يشهدها العالم بأسره..

..

.

في غدوة و إياب، رحت تمسحين بلاط غرفتك الواسعة بخطا مكرهة، غير منتظمة..

فيها سخط و معاناة..

ثم تتسمرين أمام شباك نافذتك الموصد..

تتطلعين إلى بصيص النور الذي ينعكس من خلال الإنارة التي تلهب الأنظار و قد رصعت بها المدينة و كأنها تيجان تتراقص خيلاء و عنفوانا متجاهلة ما يلم بشعب كامل في تلك اللحظات العسيرة..

..

.

كنتِ..

و كان الجميع في مدينتك..

في بلدك الذي يعمه السلم و الحب و الرخاء..

كحمامة كسر جناحها في ليلة قارسة..

باردة..

تتسمر خلف زاوية من الشارع المؤدي إلى السوق المغطاة، إلى جانب عمود الكهرباء المزين بالمنمنمات و كأنه شمعدان..

كنتِ كحمامة كسر جناحها، فتوسدت آلامها

و جراحاتها و راحت تهتز مرتعشة لأدنى حركة لأسرع مخلوق يلاحق خطاه الخفيفة هاربا من لفح البرد و غزارة المطر..

كنتِ..

تتأملين في وجع و تساؤل..

تقفزين إلى داخلك..

إلى أسفارك..

إلى تاريخ أمتك..

إلى كل الملمات التي عشتها و شعبك..

ثم تتساءلين..

هل في كل بيت..

أمام كل نافذة..

و خلف كل شباك في شبه جزيرة "الفيكينغ" وقفت واحدة في سنك..تتعقب الأحداث و تستقرئ عجيب نواميسها

و غريب سننها..؟

محطات جميلة حينا..

و عسيرة مؤلمة أحيانا أخرى..

.

..

عيناك الواسعتان الجميلتان لم تعودا تطفحان بالبشر

و الألق!

خضرتهما ابتلت بالدموع المتحجرة خلف رموشهما فتمنع وهجهما..

لكنها تحفظ سر ذكائهما..

و اتقادهما..

..

..

جهاز التلفزيون في آخر الصالون، يضيف للجراح الغائرة ملحا كلما أعلن عن تعذر الدخول إلى غرفة الجراحة أو الإنعاش بمستشفى " كارولينسكا "، و ذلك نظرا للسرية التي يقتضيها الحال..

فلا يزيد إلا حيرة للساهرين الذين تحلقوا حول شاشاتهم

و كلهم صلاة و دعاء..

دهشة..

و فضول..

..القضية ليست عملية حزبية، و لا مناورة أريد من خلالها لشعب يحتكم للسلام و للحرية..

للهدوء و البساطة..

أن لا يغمض أجفانه تلك الليلة الخريفية الحزينة..

ثم يعلن التلفزيون - فجرا - على لسان رئيس مجلس الوزراء و في صورة جلية من الخشوع و الحزن:

(-... ماتت آنا..!)

.

..

تبتعدين من نافذتك..

تتعثرين بالفراش المزركش الذي يغطي أرضية الصالون..

تصرخين..

تصيحين..

كما فعل الجميع..!

* * *

أجل..

قبل يومين وقف الناطق الرسمي لوزارة الخارجية معلنا:

((..لقد طعنت في مركز كبير بقلب المدينة..))

طعنت المرأة الفذة..

طعنت الوزيرة المقتدرة..

طعنت السياسية المحنكة..

و لا تزال في ريعان الشباب..

على الساعة الثانية ظهرا في قلب مدينة، تعتنق السلام دينا..

و السلام فلسفة..

و السلام أدبا..

لم تكن في ذلك المكان لحملة خاصة بالعملة الأوربية..

كانت وحيدة..

إلا من شجاعتها، و من ثقتها في نفسها و في شعبها..

تدخل السوق بمفردها..

دون حرس..

لتتزود بحاجاتها..

و هل نحتاج إلى النور في بلد النور..!!!؟

.

..

قبل زمن ليس ببعيد، كان أحدهم يداعب هواء مدينته الهادئة الجميلة..

و يصنع الحدث الديمقراطي و هو يعد خطاه المتثاقلة عائدا و حرمه من السينما و هو لا يعلم أن أيادي الشيطان تتربص به..

تلاحقه بنظراتها الشريرة..

تتوعده بالغدر و الغيلة..

فيسقط..

شهيدا..

للسلام..

و للحرية..!

..أهو قدر هذا الشعب..!!؟

و هل هكذا يحتفل بكل من يحاول أن يكون صادقا في خدمة السلام و الديمقراطية..

و الحرية و الرخاء لشعبه و للعالم..!؟

.

..

صرختكِ تلك..

كانت تشبه صرختكِ هذه..!

الفرق الوحيد بينهما هو خط التماس بين الحزن

و الفرح..!

البهجة و الألق مقابل الحيرة و الألم..!

إلا أن الحزن واحد..

و الموضوع واحد..

الموضوع موضوع بطل..!!

----------------