-5-
تفتحين الرسالة..
إنها الرسالة الأولى التي تصلك منه..
تستوقفك كلماتها المتراقصة..:
..أيتها الشاعرة،
((..لا يهم أن تكوني أسدا،
أو أن تكوني غزالا..
ابدئي الركض..!))
تضحكين..
تركضين..
تقهقهين..
تغمرك الفرحة، و يهزك السرور..
يدخل عليك حينها أخوك الأصغر..يريد أن يعرف سر قهقهاتك..
تدفعينه خارج غرفتك..
ثم تغلقين الباب..
يصرخ هو..
"إيفلين".." إيفيلين"..! -
( و أنتِ غارقة في دهشة في كلماتها..)
..يتذمر و يتركك في خلوتك..!
تعيدين قراءة الرسالة..مرة..و مرة..
أجل،
لأول مرة يحدث لك مثل ذلك..
لأول مرة تصلك رسالة بهذا الشكل..
و بهذه الروح المتشبعة..
تتوغلين في لحظاتها..
و في أدق عباراتها..
تحلمين..
تخرجين من غيبوبتك..
تتقدمين إلى نافذتك..
تتأملين بياض مدينتك..
تمسحين على الزجاج لتتبيني وجه مدينتك النائم ملتحفا نبضه الملائكي..
هازئا بسلطة الألوان أجمعها..
و رافضا كل أنواع الاعتباط الذي يحول دون سلطة الذكاء
و إرادة التغيير..
تمدين نظرك إلى خط الأفق و قد غمره احتقان الضباب فلم يعد هنالك من داع للفصل بين الأرض و السماء..
.
..
كنتِ تعتصرين أفكارك من خلال الساعات الطويلة التي استغرقها أول لقاء لك به..
كان ذلك في إحدى المقاهي..
في إحدى المدن البعيدة..
في إحدى دول أوربا الموحدة..!
..
في بادئ الأمر رفضت الدخول معه..بحجة أنك لم تدخلي مقهى طول حياتك..
فألح هو..
و اعتذرتِ أنتِ..
لكنه سحبك بذكاء إلى الداخل..
فكانت أول مرة لك..
و كان شرفا عظيما له أن كانت مرتك الأولى تلك معه..
طلب شايا بالليمون..
و رفضت أنت كل شيء رغم عدم زهده في الإلحاح الممل عليك..
حينها اختار لك قطعة شوكولاطة صغيرة اشتهرت بها تلك المدينة المغمورة..
بحيائك المعتاد، رحتِ تحدقين فيه..
فلا يستطيع أن يطيل النظر فيك حياء..!
و كان يتكلم..
و كنت تستمعين في صمت و دهشة لأنه لم يكن يقول أي شيء..
كان يقول فقط – و بشهادتك– كلاما..
((..لم أسمع به أبدا من قبل!))
((لم يحدث معي أبدا مثل هذا مع أي إنسان آخر من قبل..))
كانت الساعات الطويلة تلك مجرد دقائق..
و كنتِ كلما طلب منك الخروج لأن زميلتك في انتظارك في مكتب قرب الجامعة..
تلحين عليه بالبقاء أكثر..
(( ليست هناك أي مشكلة..
ستنتظرني حتما..إنها متعودة على انتظاري..))
عيناك المفتحتان على كل شيء لم يتمكن من تبيان سحر لونهما..
مشرعتان..
واسعتان تقولان كل شيء في صمت..
في ذكاء..
و في حرية..
.
..
تكتبين إليه رسالتك الأولى من مدينتك التي غمرته فضاءاتها قبل أن يرها..
..تكتبين إليه:..
((..تحت شمس منتصف الليل المتمردة عن فلكها، يطرح كل اعتقاد جازم على أن كل شيء يمكن أن يحدث..!))
تصله رسالتك..
و قد كنت تتهمينه فيها بالشاعرية و الرومنتيكية..
كان يرفض دائما أن يكون كذلك..
و كانت تقال له كلما ساق حديثا أو كتب..!
كان يرفضها..
و يصر على أنه بعيد عن كل ذلك..
لكن الآن..
و قد جاءت التهمة منك..
إذن، فسيعلن لأول مرة كم كان شاعريا..
كم كان شاعرا..!
..و سيكتب من أجلك..!
من أجل تلك العبارة الجميلة الخالدة التي سمعها منك في أول لقاء لكما..:
(( لن أتوقف عن ذكرك حتى آخر رمق من عمري..))
شمس منتصف الليل تلك كلفته الكثير..
كانت صفحة مفتوحة على كل توقع..
كانت صورة قدسية لا تفارق خياله..كلما أخذ قلمه و أراد أن يركن لخلوته..
كانت تلك الصورة تلخص كل شيء حي في خياله و راحت تجذبه إلى عوالمها أكثر..
و إلى استقراء عالم الكريستال..!!
..عالمك!!
كانت رسالتك تلك بمثابة القدر..
فيرفض أن يفتحها لثلاثة أيام متواصلة..
يضمها في جيبه..
و يروح يتحسسها كلما أحس بشيء من الفتور..
يدخل يده..
يتلمس أحرف اسمك الخالدة تلك فترتعش أنامله..
يمسكها..
يسيطر عليها..
ثم يفتح الرسالة..!
ينتعش لكل حرف فيها..
تمتزج أنفاسه بكلماتها..
فيذوب في عالمه..في عالمها..!
--------------------