- 3-
ماتت " آنا "..!
و هاهي الورود بمختلف الألوان تتجمع منذ الصباح
و كأنها تريد صراحة إخفاء مسحة الحزن البادية على وجه كل مواطن..
و تجتمع أمانة الحزب في شكل طارىء حتى تلملم الجرح و يسهل على الأعضاء تجاوز المرحلة العسيرة..
و تجاوز المحنة..
و توجيه رسالة عبر الأثير لجموع المملكة حتى يلتزم الجميع الهدوء..
و السكينة!
أما بالنسبة للأمانة السرية فالأمر ليس بسيطا..
و لا مجرد صدفة، كما يلاحظ المواطن العادي الذي تخلبه الألوان المزركشة لباقات الزهور بجميع أشكالها و مختلف ألوانها..
بالنسبة لها الأمر يتعدى حدود التبرير..
لكن الحيطة و الحذر يظلان جوهر الذعون السياسي
و الحنكة..
و الرشد..
..
.
و أنتِ،
أنتِ، كذلك، ترين أن التاريخ يعيد نفسه..
ذكاؤك الحاد يعيد لك الصور البالغة و المؤثرة التي خلدت سقوط بطل قومي قبل سنوات..
حبك لبلدك..
تقديسك لحضارة أمتك..
تشبعك بثقافة شعبك..
بلغته..
بأدبه..
و بشعره..
..كل ذلك تقفين عليه بإمعان و الدموع لا تزال تتهادى مثقلة من عينيك الحزينتين على وجنتيك المضمختين بحمرة الحياء و الخجل..
عينان مفتحتان و أنت تقفين في الصف للتعازي..
باحترام و أدب رحت تتخللين الصفوف بين كتل الورود التي ملأت المكان..
ثم تَصِلين..
تَصلين إلى حيث يجب..
تتجمدين أمام طلعتها الباردة و قد روعتك الطقوس الكنسية..
اللحاف الأبيض..
الشموع..
و الأكاليل..
و الصمت..
لتسرعي الخطا حتى تتركي فرصة للآخرين خلفك في الطابور..
تسرعين..
لكن أفكارك تتشتت فتتقاسمها المحطات التاريخية التي كنت دائما تحفلين بذكراها لأنها تمثل تاريخا غنيا و حافلا لأمة..!
..
تخرجين..
و لا تزال الصورة ماثلة..
متجمدة بين عينيك..
تأخذين الشارع الرئيسي و بين أطياف الأوراق الخريفية المتناثرة رحت تتوثبين بنزعتك الفلسفية التحليلية..
لماذا..
لماذا..
لماذا!؟
.
..
تختنق أنفاس المساء الباردة أمام أنفاسك الملتهبة..
تتصلب و جنتاك مع لفح النسيم المتجمد ليوم غير عادي..
لبداية ليلة غير عادية..
و أثناء سيرك المتعثر ذاك تلوح لك أهازيج شاعرية،
تستوقفك للحظات فتثير فيك شيئا من الدفء..
و الحميمية..
و كثيرا من الاعتزاز..
تتهاطل عليك حينها الأخيلة الجميلة و الصور الغضة..!
تتذكرين حين يرد على سؤالك الكبير:
- من الأمير؟..
من الأمير الذي أثار غضبك..؟
و شد أوداجك..
و دفعك إلى الثورة على المؤتمر و المؤتمرين..؟
يتعجب حينها هو..
و يقول بدفق من الفخر و الإكبار:
- و هل فهمت ما قلت؟
لقد رأيتك تصرخين..
و تثبين و ترقصين..
و كأني بك تفهمين كل شيء..!
فتردين:
- كيف لا؟
و كلماتك المدوية لا يمكن لها أن تخفي سرا..
بل جاءت لتفضح كل شيء..!
يلتفت إليك و يمرر يده المرتعشة على خصلة شعرك الحريري المتهدل..
فيحبك أكثر..!!!
و يحملك في صدره..
في عقله..
في فلسفته..
في أدبه..
في تاريخه و جغرافيته!!
..
تُكبِرين فيه حدته و حيويته..
و يكبر هو فيك حلمك..
و ارتباطك الجميل بأمتك..
..
..ثم تواصلين السير!
و قد تراجعت أنفاسك عن تسارعها..و هدأ روعك..
ليتساوى اليوم بالبارحة..
..في ذلك اليوم كان يدافع هو عن أميره..!
و ها أنت الآن تودعين أميرتك..!
______________